مناضلون في مجتمع “سكيزوفريني”

الصحراء 24 : بقلم إبراهيم سيد الناجم

ليس من باب التعميم لكن من باب حقيقة الواقع المعاش، الواقع المرير الذي يثبت يوما بعد يوم بأننا نعيش وسط مجتمع  مصاب “بالإنفصام” مجتمع “إرَكٌعْ كٌدْحَانْ النَّاسْ وَمْخَلِّي كٌدْحَانُو” و”القدحان” هنا ليس وصفا المقصود به التقليل من قيمة  الإنسان الصحراوي وإنما مثل يضربه مجتمع البيظان للشخص الذي يهتم بأمور الناس و يترك أموره الخاصة. فكيف تحول مجتمع الحكم إلى مجتمع “إنفصامي” و أحيانا بإمتياز.

الكل في مجتمعنا يستنكر السياسات الإقصائية والتهميشية التي تقوم بها الدولة. والكل يندد بالكوارث الريعية التي جعلت من دمائنا مصدر رزق لها ولن يختلف منا إثنان على أن شعار التغيير مثلا بمدن الصحراء لا يعدو أن يكون مجرد حق يراد به باطل كون من يطبلون بهذا الشعار هم نفسهم من يجب تغييرهم أو بالأحرى تغيير أفكارهم البئيسة. أما إن تحدثنا عن شعار أخر لطالما “نبحت” به حناجر محسوبة على ذلك الفكر البئيس شعار “التنمية”، التنمية التي لم تستهدف طيلة الأربعين سنة سوى “بطون” فئة معروفة تختصر مفهوم التنمية في “أنا ومن بعد الطوفان”. لكن مجتمع الطوفان للأسف بات مجتمع “الجليد”.

رغم الإستنكار ورغم التنديد ورغم التعبير عن عدم الرضى شفهيا طبعا، إلا أننا نرى العكس ونحن نعيش يوميات الفشل وسط هذا المجتمع “السكيزوفريني”، المجتمع الذي يرى أبناءه يضربون عن الطعام ولا يتضامن يرى، و يرى أبناءه يناضلون من أجل حقوقهم و يتجاهل و يرى أبناءه يسحلون ويسجنون و يقتلون وهو في سبات نومه ونسي كم من دماء “الغليان” قدم من أجل الحق. مجتمع أصبح اليوم يصح إسقاط المثل المغربي عليه الذي يقول “يجمعهم البندير وتفرقهم الزرواطة”. لكن من يناضلون بالشوارع ليسوا من عبدة “البنادير” وأجسامهم خلقت لتعطي دروسا للصامتين عن “الحق”.

إن كان مجتمعنا يقول “أيد وحدة ما تصفك”، فلا ينسى بأننا رضعنا حليب “آمنات الصحرا” و من رضعه لا يؤمن بمبدأ “المستحيل” وليس من شيمه “التصفاك” و “التطبال” يرفع يوميا إشارة النصر بأصابع تلك اليد التي إختصر دورها المجتمع ف”التصفاك” و يزداد عزيمة يوما بعد يوم، في الوقت الذي يرفع فيه إخوتنا “الصفا كٌة” على أكتافهم و تصدح حناجرهم “بالنصر”.
فعن أي نصر يتحدث مجتمعنا يا ترى..؟؟

كيف لمجتمع لطالما عرف بالإلتفاف والوحدة  ونصرة المظلوم أن يسمح اليوم بأن يرى أبناءه يمارس الظلم عليهم ولا يحرك ساكنا وأين نحن من المثل الذي يقول “مَاهُو صديكٌ ألِّلي مَا جَاُبو رْغَاهَا تَوْ زَزْهَا وَلاَّ تَوْ طْلاَهَا “، فـــ” الزَّزْ” يمارس كل لحظة علينا على حقوقنا و”الطِّلاَءْ” هو أن تنظم مهرجانا للضحك  وتنسى أن “ضحْكَ فِينَا مَا تَلْهِينَا”.

يجب أن يعرف مجتمعنا الفاضل أنه اليوم بات يسير في طريق “الإنسلاخ” و باتت تلك الحِكَمْ والمعانى والشِّيَمْ التي إشتهر بها على إمتداد السنين تجسد مقولة “إنقلب السحر على الساحر”، و أن الإلتفاف حول الأشخاص خدمة لمصالحهم الخاصة و أن التعصب من أجل القبيلة لم نجني من وراءه سوى “الواقع” الذي نعيشه اليوم.

نحن اليوم بحاجة إلى تصالح مع الذات و بحاجة إلى وقفة تأمل في الطريق الذي نمشي فيه، حينها سنعرف بأن ذلك النصر الذي صدحت به حناجر تحسب علينا ماهو إلا نصر المصلحة الخاصة على مصلحتنا العامة، وسنعرف بأن التغيير الذي يتغنون به لا يتم إلا بتغيير “فكر الاشخاص” و ليس بــ “بتغيير الأشخاص”، وخير مثال على ذلك الطرق التي يصلون بها هم إلى تلك الكراسي، مصداقا لقوله تعالى في سورة الرعد:  “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ”.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد