الصحراء 24 : بقلم /محمد سالم الزاوي
لاتزال كلمات فؤاد عالي الهمة في سنة 2009 خلال مهرجان خطابي بالعيون نظمه أيام كان حزبه العتيد حاليا وليد المرحلة آنذاك تنطبق بالحرف والرسم على كبوات حزب الرشيد بالصحراء. صديق الملك ومستشاره حينها بعث رسائل تهديدية مشفرة لمن أسماهم المتسببين بأحداث العيون في سبتمبر 1999. قائلا أن هناك منهم من توفى ولايزال الأحياء متوعدا أياهم بفتح الحساب عما قريب. مرت على تلك الكلمة قرابة 7 سنوات تراجع فيها صديق الملك عن الحياة الحزبية وجعل من وليده الحزبي الجديد حزب المخزن بإمتياز وأقوى أحزاب المغرب اليوم. ولولا هجمة مرتدة فجرتها “تونس” مع البوعزيزي لكان حزبه اليوم يدير دفة الحكم ولطحن الإسلاميون أسفل كاسحات الدولة العميقة ورجال القصر المقربين، كما طحن اليسار قبل ذلك حتى صار متزعم أحزابه يستجدي الحياة بإضعاف العتبة.
المشهد يتضح أكثر وأكثر ولا يحتاج لمنظار كاشف ليرى أهل الصحراء أن هناك حربا خفية تدور على كوطة الصحراء الإنتخابية بين آل الرشيد والدولة العميقة في شخص الهمة وأتباعه في حزب “الجرار”. فحزب الإستقلال بات حزب “صحراوة” بإمتياز إن لم نقل أنه “حزب البونس” بنسخته المغربية. وآل الرشيد باتوا القوة الكاسحة بالصحراء وأكثر عائلاتها نفوذا وتمددا في الجنوب، بل أكثر من ذلك إستطاعوا بفضل تنظيماتهم الحزبية ضم أكبر عدد من ساكنة الصحراء بجمهورييها وملكييها الى الحزب. وموقع ديناموا العائلة “خليهنا ول الرشيد” في نزاع الصحراء كموقع القطب من الرحى. إن مال نحو طرف كفاه عناء الدليل.
الداخلة إذن تدفع ضريبة الحرب الخفية بين عمالقة الدولة. حرب أستخدم فيها القضاء كسيف ساموراي غير محسوب الأضرار والنتائج. فكلام المستشار الملكي واضح وبالحرف حين قال : ” كاينة عايلة تيتقال لينا أنها صمام الامان فالصحرا ويلا تقاست مشى الامن ومشى الإستقرار.. وأنا كنوعدكم بأنه غنحيدهم باللقاط…”. كلام خطير يومها لم يكن يظن أحد أن لحظته قد حانت وساعته بدأت وميدانه سيكون الداخلة التي زحف عليها “شواي” قضية الصحراء بألوان حزبه فأجتاح أحد أقاليمها كليا وضم جهتها للونه الإستقلالي. وما قضية الخطاط إلا وجه خفي من أوجه الضرب تحت الحزام الذي وجهه مستشار الملك تهديدا قبل سنوات. فالقضية رغم أنها لا تتعلق بحكم إقالة كما وصفها البعض غير أنها تتعلق بإلغاء قرار إداري سلبي سمحت بموجبه وزارة الداخلية بترشيح شخص مقيم خارح المغرب. وهو حكم غير ملزم للإدارة لكنه يدخل في خانة “لي الذراع” حتى ضد أشد وزارات المملكة سلطوية وهيبة منذ عقود.
الصحراء تتجه هذه الأيام نحو المجهول وحرب بالوكالة بات الشارع أحد لاعبيها. وأقتلاع آل الرشيد وأتباعهم من الصحراء صار هدف الدولة العميقة التي لم يبقى لها من صخور السياسة “المتعنتين” غير عراب آل الرشيد وحزبه بالصحراء. فبنكيران الذي “تفرعن” زمنا قد مد رقبته وأستسلم لخيار الدولة العميقة ومخططاتها حفاظا على مصالحه. وشباط الذي أنهت نفس الدولة حياته السياسية بفاس وجعلته في مواجهة مع الملك في خطاب إفتتاح السنة التشريعية قبل مدة. لم يعد له من طوق نجاة غير حصون الصحراء وجدار آل الرشيد المنيع. ولعل ذلك مجتمعا ما يجعلنا لأول مرة نجد تجريدا للعضوية من مستشارين برلمانيين ينتميان لحلف ميزان الرشيد. تجريد أخذ فيه المال السياسي بعين الإعتبار وصار لشراء الذمم ثمن بعد أن ظلت الصحراء ولازالت مرتعا للسمسرة الإنتخابية. فهل جادت على قضاءنا النبيه الأقدار بأن تمخض عن الإتجار في ذمم المصوتين مكالمتين من آسا والداخلة لشخصين من نفس الحزب وفي نفس توقيت الحكم على رئيس جهة منتمي لحزب الإستقلال كذلك.
الصحراء بلعت الكثير بين رمالها وأسالت دماءا على كعكتها وأجحفت اللاهثين خلف سراب ماءها. ووعد الهمة الذي قطعه على نفسه قبل سنوات وبدأ بتنفيذه قد يرتد على موقف الدولة في قضية الصحراء سلبا. وضرب الأخماس بالأسداس لعزل ثقة المواطنين وشراء أختياراتهم عبر القضاء أمر خطير قد يضعف هيبة القضاء بالمملكة ويجعله في مرمى التقارير الدولية المخزية في هذا الشأن.
إذا سجد الجميع وبلع لسانه خوفا وطمعا في حضرة حزب المخزن العميق، إلا الرشيد وميزانه في الجنوب فقد أبى وأستكبر ودك منافسيه دكا حتى دنت له الصحراء بدوائرها وأقاليمها وجهاتها. فالرجل كان صنيع الدولة نفسها التي تحاربه اليوم، وحين حاولت إجتثاثه قبل ستة سنوات أجابها الرجل بتحفة إحتجاجية إسمها “كديم إزيك”. واليوم وبعد حكمين بإقالة مستشارين من حزبه ورئيس جهة الداخلة لا أشك شخصيا في أن هناك أمرا ما يطبخ في الخفاء وردا سيكون لا محالة عن طريق الشارع. لذلك كان حريا بمستشار الملك وصديقه “البامي” أن يفهم الصحراء أولا وتركيبتها المجتمعية والقبلية قبل أن يخوض في حرب خفية ضد أكبر قوة حزبية بالصحراء وأحد ملوك ريعها البارزين.
وعموما وحسب قراءتنا المتواضعة لما جرى فإننا نتوقع سيناريوهات مستقبلية عديدة إخترنا منها ما يلي:
● السيناريو الأول يتجه بعيدا في ضرب ول الرشيد أسفل الحزام عبر إسقاط الخطاط ينجا بجر وزير الداخلية الى مستنقع تلك الحرب الخفية. وهو أمر لا نتمناه لأنه بداية أولى لبلبلة حقيقية بالجهة.
● السيناريو الثاني أن يقبل ول الرشيد بالتنازل لحزب عدوه ومتوعده “الهمة” ويتقاسم معهم كعكعة التموقعات خلال الإنتخابات التشريعية. وهو أمر نستبعده مع رجل كحمدي الذي لا يقبل “لي ذراعه” في أرضه وميدانه.
● السيناريو الثالث أن تتدخل قوة ثالثة بين الطرفين قبل أن يستفحل الفتق على الراقع وتسير الأمور نحو مزيد من التصعيد والإحتقان وتضيع الصحراء في عمق حرب سياسوية رخيصة. وهنا لا نرى قوة وهيبة قد توقف هذا العراك أكثر من الملك.
ختاما يبدو أن الهمة سائر في حفل جز الرقاب الذي وعد به ول الرشيد قبل سنوات بالعيون. صدام جبابرة قد يكون الخاسر الأكبر منه هو المغرب والصحراء. لكن الأهم فيه أن عراب الصحراء بلغ مبلغا من القوة والتمدد والنفوذ حتى بات صداعا مزعجا لمحيط الملك ومستشاره المقرب.
فهل تدفع الداخلة ثمن صراع الجبابرة أم أن الأمور ستأخذ طريق التهدئة..؟؟
نأمل ذلك مع كثير من التحفظ…

