حقيقة الأزمة المغربية الأممية ومآلاتها

الصحراء 24 : بداد محمد سالم

يبدو أن تطورات قضية الصحراء أضحت تسير في إتجاه المجهول بعدما وصل حد الصراع بين المغرب والامم المتحدة الى ما يشبه الباب المسدود،فطرد جزء من بعثة المينورسو ومحاولة قوقعتها في مهمهة عنوانها الحفاظ على استمرار وقف اطلاق النار بين الجانبين هو أمر غير قابل للتطبيق بالنظر لمرجعية هذه القوات المستقات من مخطط التسوية الأممي لسنة 1991.

يوجد إحتمالان راجحان أمام هذا الوضع فإما أن هذه القوات ستعود إلى ممارسة أدوارها وإما أنها ستنسحب و يعتبر هذا الانسحاب بذلك  إذانا بعودة الحرب والنزاع المسلح، مما يعني إلحاق منطقة شمال غرب إفريقيا بركب النزاعات المسلحة والتوترات الأمنية غير محمودة العواقب،إلا أن معظم المؤشرات توحي بأن المنتظم الدولي لن يسمح بوقوع ازمة من هذا النوع في ظل الأوضاع الخارجة عن السيطرة و التي أضحت العنوان الأبرز للمرحلة.

تطرح هذه الوضعية مجموعات من التساؤلات مفادها: لماذا أثيرهذا التوتر في هذا التوقيت بالضبط؟ ولماذا صعد المغرب عبر إجراءات عملية وقرارات منفردة إتخذها ردا على تصريحات الأمين العام للامم المتحدة؟ ولماذا يلتزم مجلس الأمن الصمت؟ولماذا تتريث البوليساريو في إتخاذ إجراءات عملية ردا على الاجراءات المغربية؟ 

هذه الاسئلة وغيرها يطرحها العديد من المتتبعين للقضية العارفين بخبايا النزاع بعيدا عن لغة العواطف الموجهة للرأي العام، 

في حقيقة الأمر يبدو أنه كان هنالك توجه داخل مجلس الامن والامم المتحدة يسعى الى إعادة النظر في صلاحيات بعثة المينورسو قبل رحيل الامين العام وممثله الشخصي الذي لم تكن علاقته بالمغرب على ما يرام طيلة مدة انتدابه، ولم يجد المغرب بدا من عرقلة هذا التوجه،

لكن ما السبيل أمام المغرب هذه المرة إلى عرقلة هذا المخطط بعدما تم استخدم واستوفى جميع الاسلحة الممكنة  والتي أفرزت نجاحه  في منع محاولات لتمرير قرارين لتوسيع صلاحيات المينورسو؟

سيعتمد المغرب هذه المرة  على مقولة “اشتدي يا أزمة تنفرجي” فجعل المغرب من تصريحات الأمين العام سلاحا للتصعيد ورفع بها سقف مطالبه اتجاه المتتظم الدولي، فبدل أن يدرج الامين العام مقترح توسيع صلاحيات البعثة ضمن تقريره الذي سيقدم لمجلس الامن في أبريل القادم ويصبح بذلك المغرب في موقف دفاع كما هو الشأن في المرات السالفة، قام هذا الأخير بمحاولة لخلط الأوراق وتوجيه النقاش إلى مشروعية وجود بعثة المينورسو من عدمه، وبالتالي فإنه سيجعل من عودة المينورسو الهاجس الأول لدى الفاعلين الدوليين لمنع وقوع حرب في المنطقة مما سيكسب المغرب مزيدا من الوقت في انتظار قدوم أمين عام وممثل له جديدين إلى المنطقة بعد رحيل كل من بان كي مون و روس.

لقد راكمت جبهة البوليساريو  في المقابل رصيدا مهما من التجربة السياسية جعلها هي الأخرى تفهم مقاصد و غايات المغرب من هذا التصعيد وحاولت قدر الإمكان الابقاء على الصراع مغربيا أمميا و اختارت عدم الانزلاق أوالدخول في صدام مباشر واكتفت بدور المتفاعل مع الأحداث مع اخذ نوع من الاحتياط على المستوى الأمني شأنها شأن المغرب في ذلك، لأن تسارع الأحداث وتطورها قد لا يجاري حدود ما رسمه الساسة لها، وبالتي فلابد أن يتم اتخاذ الإحتياطات اللازمة عندما تغير قوة الرياح اتجاه السفن العابرة للمحيطات المعقدة المعالم.

لقد سبق وأن نشرت في مقالتي السابقة المعنونة ب”السياسة الخارجية للمغرب:إهمال للداخل ومجازفة بالخارج” عبارة “ليس في كل مرة تسلم الجرة”في إشارة إلى خطورة اعتماد الدبلوماسية على منهج الهجوم والدخول في صراعات مع القوى العظمى بغية توجيه السياسة الدولية لصالحها ولعلها عبارة تفرض نفسها بشكل أكبر كلما تطورت هذه الأحداث، فالتراجع عن قرار طرد البعثة الأممية ليس بالضرورة الحد الأقصى الذي يمكن أن تنتهي به الأزمة،بل قد تصبح المجازفة المغربية  آلية لتعزيز مخطط  إعادة النظر في صلاحيات البعثة الأممية و بالتالي عودتها إلى المنطقة  لكن بصلاحيات أقوى هذه المرة، ولعل أقوى مظاهر هذه الصلاحيات هو الاستقلال المالي الذي سيمنح لهذه الهيئة استقلالية أكبر في تقاريرها بعدما ظلت لسنوات عديدة رهينة الدعم المغربي السخي والطوعي لها.

إن  حساب معدلات الربح والخسارة من الازمة الأممية المغربية سيكون متذبذبا بالنظر لنتائج تداعيات هذه الأزمة على كل طرف،

فمعدل الربح لدى المغرب سيكون رهينا بتأجيل الحديث عن توسيع صلاحيات بعثة المينورسو،وبالتالي نجاح مقاربته الهجومية الاستباقية و الاستمرار في نهج هذا النوع من الدبلوماسية كسبا لمزيد من الوقت، في إنتظار ما ستحمله الأيام القادمة من تغيرات على مستوى الامانة العامة للأمم المتحدة، لكن في المقابل فإن معدل الخسارة سيكون أكبرعندما تفشل هذه الاستراتيجية المغربية و تتجاوز الأحداث والتطورات الحدود التي رسمها لها صناع القرار وتخرج عن حدود السيطرة ،و ليست أزمة منع دخول الناشطة الحقوقية امنتو حيدار الى العيون عنا ببعيد.

 

مما سيفتح المجال لخسارة مدوية للدبلوماسية المغربية قد تعجل باستصدار مجلس الأمن لقرار يعيد النظر في دور وآليات اشتغال البعثة الأممية وذلك قبل نهاية الولاية الحالية للأمين العام للأمم المتحدة، و في المقابل وفي حالة السيناريو الأول فإن جبهة البوليساريو ستستفيد من إعادة البعثة الأممية إلى الأرض لكن بإستقلالية أكبر وستمنحها هذه الأزمة مناعة أكبر في تحليل مقاربات وآليات إشتغال الخارية المغربية والإعداد بشكل جيد للمعارك الدبلوماسية القادمة وسيكون هامش الربح أقوى عندما يتحقق السيناريو الثاني أي إعادة النظر في آليات ودور البعثة قبل متم السنة الجارية. 

فهل سيجيب قرار مجلس الأمن في أبريل القادم عن مآلات القضية الصحراوية بعد الصراع المغربي الأممي ؟ أم أن دار لقمان ستبقى على حالها؟

بداد محمد سالم

باحث في جامعة محمد الخامس الرباط


تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد