المحطة الإذاعية الجهوية للعيون: ريادة تستمر رغم الإكراهات

الصحراء 24 : بقلم محمد فيرس

إحتفل الإعلاميون بكل بقاع العالم –خصوصا الإذاعيون منهم- باليوم العالمي للإذاعة و الذي يصادف 13 من شهر فبراير من كل سنة – يوم أقرته  اليونيسكو في 3 نوفمبر 2011 للاحتفاء بدور الإذاعة عالمياً في الدورة السادسة والثلاثين لمؤتمرها العام بناء على طلب مقدم من إسبانيا ، وتم إقرار اليوم العالمي للإذاعة في ديسمبر 2012 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة فأصبح بذلك يوماً تحتفي به جميع وكالات الأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها وشركاؤها.

و الإحتفال بهذه الوسيلة الإعلامية يستدعي الحديث عن النشأة والريادة خصوصا قبل ظهور جهاز التلفاز في خمسينات القرن الماضي فضلا عن إستحضار واقع الإذاعات و معها الكثير من وسائل الإعلام الأخرى و التي كانت إلى عهد  قريب تتسيد بدون منازع المشهد الإعلامي في ظل الثورة الهائلة  و المتسارعة لتكنولوجيا الإتصال والمعلوميات والتي أفرزت واقعا إتصاليا جديدا له قواعده وتقنياته الخاصة .

تعود نشأة الإذاعة إلى بداية القرن العشرين و قد  بدأ البثّ الإذاعي التجريبي نحو عام 1910، حينما نقل لي دي فورست برنامجاً، من مسرح غنائي، في مدينة نيويورك، في الولايات المتحدة الأمريكية، نجمه المغني الشهير، إنريكو كاروسو، في حين  إنطلقت  خدمات البثّ الإذاعي، في العديد من الدول، في عشرينيات القرن العشرين. ومن المحطات التجارية الأولى محطة  إذاعية تجارية، في مدينة ديترويت الأمريكية، التي بثّت بثّاً منتظماً، ابتداءً من 20 أغسطس 1920؛ ومحطة بثّ إذاعية تجريبية، في مدينة بتسبيرج الأمريكية، وهي محطة كدكا، التي بدأت البثّ عام 1916، واضطلعت بنقل نتائج الانتخابات الرئاسية الأمريكية، عام 1920.

و كانت مصر أول دولة عربية تنشأ بها محطة إذاعية تجارية في سنة 1925، فيما    يعتبر المغرب كذلك  من بين الدول العربية السباقة إلى خوض تجربة البث الإذاعي، و التي تعود إلى نهاية العقد الثاني من القرن العشرين، مع تأسيس راديو المغرب في سنة 1928. في تلك السنة، أنشئت مصلحة الإذاعة المغربية التابعة لمكتب الشريف للبريد والتليفون و التلغراف،غير أن الصوت العربي لراديو المغرب لم يبدأ إلا في سنة 1933 من دون الإشارة إلى التجارب الإذاعية بمدينة طنجة في ثلاثينيات القرن العشرين لكونها اتسمت  بطابعها الاستعماري المحض .

“هنا لندن” في قلب تخوم الصحراء

إرتباط أهل الصحراء بالراديو إرتباط وثيق مثل ذلك الرابط المقدس الذي جمعهم بالخبر و السؤال المتكرر  عن الجديد من الأخبار في إطار كلمة جامعة معبرة لازالت تتناقلها الألسن إلى يومنا هذا – “اشطاري” .  هذا الرابط  شكل جزءا أساسيا في منظومتهم الإتصالية – والحياتية عموما- منذ عهود طويلة خصوصا إبان فترة البداوة والترحال حين كان الصحراويون يتوقون إلى معرفة أخبار الماء و الكلأ كثنائية هي سر البقاء والوجود للإنسان الصحراوي وهو في صراعه مع الطبيعة القاسية وشظف الحياة و عنت التنقل من مكان لمكان بمجرد أن تتناهى إلى مسامعه خبر هطول الأمطار بموضع ما أو وفرة النبات بموضع آخر .

و يحفل التراث الحساني بالعديد من الشخصيات ذات الأهمية القصوى داخل النسيج الإجتماعي الصحراوي بسبب علاقتها المباشرة بالخبر مثل شخصية “البواه ” و الذي يتكلف بتقصي أخبار المطر و النبات و يتنقل في غياهب البيد ليأتي بالخبر اليقين.

 المنظومة الإتصالية للصحراويين سيطالها التغيير منذ تأسيس إذاعة العيون في نهاية ستنيات القرن الماضي من طرف السلطات الإستعمارية الإسبانية . و قد عمل بهذه المؤسسة الإعلامية الرائدة مجموعة من خيرة أبناء الصحراء ساهموا بشكل كبير في الحفاظ  على الموروث الحساني من خلال العناية بالموسيقى الحسانية وبثها على أثير الراديو فضلا عن برامج أخرى تعنى بالثقافة الصحراوية بكل ألوانها و تجلياتها .

ولقد كان تأثير  الراديو على مجتمع “البيضان” بصفة عامة تأثيرا واسعا . فالمجتمع الموريتاني سبق أهل الصحراء بالتعرف على خدمة الراديو قبل خروج المستعمر الفرنسي و نيل الإستقلال حين قررت الحكومة الإقليمية برئاسة المرحوم المختارولد داداه نقل جهاز إذاعي لم تتجاوز طاقته واحد كيلووات ( 1kw) (10)إلى العاصمة الجديدة للدولة الناشئة “انواكشوط” وتم ذالك في يونيو سنة 1959 ،كإعلان عن بدء التميز والإستقلالية.

و نظرا لشساعة أرض موريتانيا و قلة الإمكانيات في ذلك الوقت إستغل بعض الإعلاميين الرواد من ذوي الفطنة والحصافة مثل الإعلامي الراحل محمد لمين ولد آكاط خدمة الراديو لبعث البلاغات و الإتصالات والشعبية إبتداءا من سنة 1967 و ذلك لربط المواطنين بوسيلة إعلامية وطنية من بلدهم و كذلك لتسهيل الإتصال في زمن غابت فيه خدمات الهاتف و لم تكن وسائل النقل مثلما هو الحال عليه اليوم .

وقد إرتبط أهل الصحراء بشكل أساسي بإذاعة لندن  ( هئية الإذاعة البريطانية) و التي كانت قبل عقود خلت مصدر الأخبار الموثوقة  بالنسبة لهم. فإن جاءهم أحد بخبر كان بعضهم – و أغلبهم من الشيوخ و كبار السن- يتبينوه و يتيقنوا من مصدره و يكفوا عن السؤال حين يقول بأن إذاعة لندن قد ذكرته قبل قليل .و كانت هذه الخدمة مصدر معلومات عن العالم وما يقع به من أحداث و تطورات . كما إستفاد منها الشباب كوسيلة تثقيفية رائدة.

إذاعة العيون : قصة معلمة إعلامية

كانت إذاعة العيون أول إدارة عمومية تسلمها السلطات الإستعمارية الإسبانية للحكومة المغربية …. وهكذا شرعت إذاعة المملكة المغربية في بث برامجها من عيون الساقية الحمراء يوم 25 ديسمبر 1975، وكان الصحفي الإذاعي محمد جاد أول من أعلن من أستوديو إذاعة العيون: “هنا إذاعة المملكة المغربية من عيون الساقية الحمراء” . و قد كانت المهمة صعبة للغاية بعد تسلم المشعل من إذاعة صوت التحرير والوحدة بطرفاية التي خاضت خلال سنتي 1974 و 1975 معركة إعلامية بمشاركة الرعيل الأول من الصحفيين والإعلاميين وأطر الإذاعة والتلفزة المغربية من قبيل الصديق معنيينو و محمد جاد و آخرون.

لعبت إذاعة العيون دورا بارزا في تعبئة الرأي العام و شحذ الهمم و تقوية الحس الوطني مع إعطاء الأولوية للحفاظ على الهوية المحلية و إبراز أهم خصائصها و مكوناتها عبر شبكة من البرامج و التي إستقطبت عددا كبيرا من المتتبعين .

 و لازالت المحطة الإذاعية الجهوية –بعد مرور أزيد من أربعة عقود- تقوم بدورها على أكمل وجه و  تحرص  على إبراز الخصوصيات التاريخية و الـثـقافية و الاجتماعية للمجتمع الصحراوي و الانفتاح على جميع فئاته من خلال برامج ثقافية و تـربوية و شبابية متنوعة – من أهم هذه البرامج “أمـثـال حسانية “و “حكم في الشعر” و “منتدى الشباب” و ” مع الشأن المحلي” و شؤون تربوية-، غير أن الإكراهات التي تعيشها المحطة تجعل من الصعب الإحاطة التامة بكل هذه المعطيات بحيث أنه من الناحية المالية ، فإن إذاعة العيون تابعة بشكل كلي للمركز الذي يقدم ميزانية سنوية للمحطة في غياب تام للدعم الجهوي والمحلي و قلة الكوادر التي لا يتجاوز عددها 33 مستخدما من تقنيين و صحفيين و عمال آخرين.

في ظل التنزيل الفعلي للجهوية و إزدياد الحاجة إلى بناء إعلام جهوي قادر على تحمل مسؤولياته ، بات من الضروري إعطاء الأهمية القصوى  للمحطة الإذاعية الجهوية بالعيون و تقديم الدعم الكافي لها . و لابد من الإشارة إلى أن هذا المطلب كان من ضمن التوصيات التي تمخضت عن أشغال المنتدى الإعلامي للصحافة بالصحراء المنظم أيام 15/16/17 من شهر يناير الماضي.

تحية إجلال و تقدير لأطر و مستخدمي المحطة الإذاعية الجهوية بالعيون ….أرفع قبعتي للإعلاميين العاملين بالمحطة على ما يبذلوه من جهود رغم ضعف الإمكانيات لتوفير خدمة إعلامية متميزة عبر الأثير.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد