سيد حمدي يحظيه
كان مساء ذلك اليوم عاديا جدا في مخيمنا، وكلمة “عادي جدا نستعملها وقتها لوصف اي يوم من اجندة حياتنا. فمثلا حين تهب الريح بشراسة وتحطم خيامنا فهذا يوم عادي، وحين تصل درجة الحرارة خمسين درجة فهذا يوم عادي. كلمة “عادي” في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات كانت تعني ان لا بيوت من الطوب، ولا ضوء بالطاقة الشمسية ولا مكيفات.. فقط رحمة الطبيعة، ورحمة ربي، لكن كانت المعنويات فوق شمس، وكانت شجرة الاحلام تورق كل صباح. ذلك اليوم دخلت سيارة عسكرية مغبية الئ مخيمنا وتوغلت بين احيائه. خرج الناس يستطلعون الامر. خروج الناس واطلالتهم من الخيم كان يعني ان صفة “عادي انكسرت. منذ تلك اللحظة لم يعد الوضع عاديا. دخول سيارة ليس عاديا في تلك السنوات. وليس عاديا ايضا دخول حتى الرجال اذا لم يكونوا في رخصة. السيارة توجهت الى احدى الخيم ونزل منها شخصان بلباس عسكري منظم. ليسا مقاتلين، يبدو انهما من موظفي الرابوني. دخلا ثم ما لبث احدهما ان خرج مع والد العائلة. بضعة كلمات فقط وانتهى الحديث. عاد الوالد مسرعا الى خيمته وغادرت تلك السيارة. مسرعة ايضا. حدث كل هذا في دقائق وامام استفسار وفضول الذين كانوا ينظرو الى المشهد .ماكاد يختفي صوت محرك. السيارة حتى سمع الناس صوت بنات العائلة يولولن، وسمعوا ايضا صوت الوالد يهدد: اذا بكت واحدة اذبحها”. تبع ذلك صوت لام تزغرد. شيء غريب. في لحظةمأ واحدة تبادل،الحزن والغضب والفرح الادوار: ولولة،وتهديد بالذبح ثم زغرودة. يا لقدرة صدر مخيمنا على كل هذه المتناقضات. وعلئ التحمل. تطاير الخبر مثل العجاج. ولد تلك العائلة، الشاب غير المتزوج، والذي كان سيتزوج اذا عاد في رخصة استشهد، فضل حورية في الجنة على خطيبته في المخيم.. مع المغرب كان الوالد يعود من الحظيرة حاملا شاة مسلوخ ليعشي الشهيد. منذ ذلك اليوم اصبحت تلك السيارة نذير شوؤم، اصبحت مثل الغراب، لا احد يريدها ان تزور ساحته،. اصبحت مثل الريح، كلما شاهدها احد طلب من الله ان لا تتجه اليه. قبل استعمال السيارة كان هناك شخص هو المكلف باخبار الناس بالشهدائ، كان عادة يدخل المخيم بصمت في الليل، يخبر العائلة ثم يخرج مثلم دخل بصمت ايضا تماما مثل الموت الذي يحمل اخباره. السيارة صارت اكثر جراة، تدخل في عز النهار وصوتها يكسر صمت المخيم. يراها الجميع ويسمع صوتها ويعرف انها سيارة قسم الشهداء. من جديد تعود صفة “عادي” للمشهد اللغوي. كان عاديا ايضا عن تحدث المعارك يوميا، وشيئ عادي كذلك ان يسقط الشهداء وبكثرة. . سقوط الشهداء كل يوم جعل تلك السيارة تصبح اكثر جراة على اختراق حدود المخيم كل وقت. تالف الناس معها، او فرضت عليهم ذلك. لم يفعلوا اكثر من ان سموها سيارة قسم الشهداء. .ح.
