يوم نشر تنظيم داعش شريط إعدام عامل الاغاثة البريطاني “آلن هننغ”، اطلعت عليه عبر موقع “سايت” الأميريكي، الذي يهتم بشؤون الجماعات الإرهابية.. وكان ذلك صبيحة يوم يفترض أنه عيد لدينا معشر المسلمين، فتساءلت عن أي دين متسامح سنحدث العالم؟! وإلى أي فرقة نرشدهم كي نقنعهم بأننا ضحايا مثلهم ؟! فالكل يزعم أنه “الفرقة الناجية” الناس باتت مؤيد لهم، ومعارض، أو صامت عن أفعالهم اتقاء لشرهم.
ذهبت إلى الزاوية البعيدة للحدث، فلاح لي أن أسخف موت يمكن أن أستشعره، هو إنسان يكلفه الله (حصريا) لتنفيذ أحكامه على من يفترض (الإنسان) أنهم أعداءه (الإله). استشعرت وجود الاستخفاف بالعقل لأن بين أيدينا نصوص (مقدسة)، وصفها علماء الأصول تارة بـ(حمّالة الأوجه)، وتارة بـ(بظنية الدلالة)، بمعنى أن كل ما نراه هم بشر مثلنا يجلسون على نصوص (صامتة) مخاطب به الجميع، ثم يزعمون أن ما يقومون به هو مراد الله وطلبه إليهم، فما هذا الجنون الذي لم يعرف الإسلام نظيره؟!. ولماذا لا يكون حكم الله هو الموجود فى هذه الآية: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }، بكل تأكيد عامل الإغاثة والصحفي والسائح والمدرس والطبيب وغيرهم… يقعون ضمن أحكام هذه الآية، فكيف يقتلون باسم الله الذين منحهم (صك) حماية من القتل بنص الاية؟!. هنا حقيقة تكمن أحد المعضلات التى نتغافل عنها، وهي عدم الفصل بين الحكم (الفقهي) والحكم (القضائي)، بمعنى أنه يمكن قبول محاولات البشر تفسير النصوص، مع التشديد على أن النص فقط مقدس، أما الفهم فهو مؤنسن (نسبة للانسان)، وعليه فتنفيذ حتى ما قد نعتقد أنه حكم (فقهي) يجب أن يكون فقط للمستوى (القضائي) ، الذي يتهم بأمور أخرى نجدها تهمل بشكل غريب، وقد ينم أيضا عن جهل فى ممارسات داعش وأخواتها، وهو ما يسمى بـ (عوارض الأهلية)، والتى منها الجهل والإكراه وانتفاء نية القصد والتأويل، فعندما يقفز الداعشي من مربع الحكم الفقهي ببضاعته المجزاة الشحيحة الى مربع الحكم القضائي ف، هو هنا يفتأت على اسلامه الذي يقدمه للعالم، ويتحول من مجرد قارئ للنصوص او مجتهد فيها الى “حوش” خارجي لاهوتي يفسد أكثر مما يصلح . على اي حال ستبقى النصوص خطاب مقدس موجه للجميع ، وسيكون من المستحيل حتى وفق التراث الاسلامي العريض ادعاء شخص او جهة او مجموعة أمتلاكه حق فهم مراد السماء، فضلا عن تنفيذه بعيدا عن منصات القضاء، فالدعوة إلى الاجتهاد أرسلها الإسلام من أجل تنوير النص عبر تعدد قراءته، واعتبارها أفهاما صحيحة مما أنتح لنا عدة مدارس فقهية، وكذلك نجد أن النبي الكريم (ص) يشجع على ممارسة الاجتهاد فى النص، ويرفع الحرج حتى عن المخطئ فى ذلك، فيقول “من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن إجتهد وأخطأ فله أجر”، فهل يفهم عاقل أن هذا النص الحاث على الاجتهاد حتمية استخراج أحكام تنفيذية فورية التطبيق لمجرد حصولها على “أجر الاجتهاد” أم أن طبيعة النص نفسه تتحدث عن تشجيع الإنسان على النظر فى النصوص، وعدم التقليل حتى من شأن من يخفق فى الوصول الى مراد الشارع.
سادتي الكرام، نحن نسير على اتجاهات متضادة لحركة الاجتهاد التنويري،ونقدم للعالم كمية من التناقضات التى لا يمكن رؤيتها إلا بجمع كل اجزاء الصورة، فما نراه عبارة عن جزر معزولة لا ترقى لأن تشكل الصورة الكاملة التى يمكن بواسطتها تحسس مكمن الخلل، وما لم يكن هناك حوار عميق وعقلاني فلا أتصور إمكانية التقليل من “الدواعش” على حساب ” المجتهدين”.
بقلم :عيسى عبد القيوم
