التحرش الجنسي..مسؤولية متبادلة

 

بقلم: عبد الصمد الباز

طالب باحث. السنة الثانية ماستر اللسانيات والدراسات الإنجليزية المتقدمة.

 

 

لقد أثار موضوع التحرش الجنسي جدلا واسعا لدى الرأي العام المغربي في الآونة الأخيرة بشكل غير مسبق. حيث تسارعت وتيرة الاتهامات، واصطدم صوت الرجل بصوت المرأة، فأعيد ، بذالك ، السيناريو الكلاسيكي ’’ صراع الجنس ’’ إلى المشهد المغربي.و لا يختلف اثنان في القول أننا أمام ظاهرة شاذة بكل ما تزن اللفظة من دلالة، أمام موجة هستيرية يغلفها جسد المرأة من جهة، و اندفاع الرجل الغريزي من جهة أخرى. فما سر هذا الاصطدام؟ ومن المسؤول عن حدوثه؟

لا تحتاج كثيرا إلى إمعان النظر في الشارع المغربي كي تكتشف المظهر  المثير الذي تظهر عليه الفتاة المغربية، فأينما وليت وجهك لا تجد سوى مؤخرة مستديرة، صدر متوهج، ساقان منتصبان  و نظرات يملؤها الفخر و حب الانتماء لهكذا نوع من الجسد. فالأنثى المغربية ملك جسدها وبدونه تعتقد أنها لا تساوي شيئا، بمعنى أنها ليست إلا امتدادا للضعف و صورة طبق الأصل لما اسماه الكوميدي الأمريكي جورج كارلين ’’مصنع لإنتاج الأطفال’’. والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا تميل الفتاة المغربية لارتداء ملابس فاضحة؟ البعض منا سيستنجد  بتلك المفاهيم الفضفاضة مثل الحرية، الانفتاح، المساواة… المستوردة من أحياء باريس ، مقاهي جينوة الايطالية، و الأفلام الرومانسية سواء منها الأمريكية، المكسيكية او التركية. وتعليقي سيكون كالتالي: هذه المفاهيم المطلقة تأتى الوصول إليها من جانب هذه الحضارات بعد مخاض عسير و صراعات،  تارة دموية و تارة  سلمية. فهؤلاء الشعوب ضحوا جسديا و فكريا من اجل ترسيخ هذه الشعارات، وعدلوها كي تلائم معتقداتهم الدينية و الدنيوية. أما الفتاة المغربية، فماذا قدمت للمشهد المغربي،  من الجانب الفكري على وجه الخصوص، كي يشفع لها للمطالبة بحق الحرية المطلقة؟

       و قد تعمدت إقصاء النازع الديني حتى لا نضع للموضوع حدا ولما نبدأه بعد. وهنا نطرح سؤالا مستفزا: أليست هنالك طرقا أخرى تستطيع الفتاة المغربية قصدها بغية فرض ذاتها في المجتمع بعيدا عن ارتداء الملابس المتبرجة؟ إن الأمر الذي يستعص على الفتاة المغربية فهمه هو إن ارتداءها لتلك الملابس يعد بشكل من الأشكال تحرشا جنسيا مباشرا  إذا كانت النية وراء ذلك إثارة الرجل، أو غير مباشر من دون قصد، فالضرر حاصل في الحالتين معا، و الأولى أعظم و اطم . فالفتاة بذالك تعد بمثابة الطعم الذي يقدم للأسماك قصد اصطيادها، فماذا نترقب من قرش جائع  أمام كتلة سمكية سوى أن ينقض عليها. و استطيع الجزم بشكل لا يقبل الشك انه لا يوجد مبرر منطقي ولا أخلاقي يسمح للفتاة باللجوء لهذا الصنف من اللباس، عدا إذا كانت تضرب بالعقل و الأخلاق عرض الحائط. فجسد الأنثى له قدسيته، فهو الجاذبية كما تحدث عنها نيوتن، وسبب هلاك الأمم كما جاء في الكتاب المقدس ’’ القران الكريم’’ والآثار النبوي، لهذا فان لم تحسن المرأة التعامل معه فلن يتولد عن ذالك سوى مزيدا من الكوارث الأخلاقية. فكما جاء على لسان الدكتور و العلامة المصري إبراهيم خولي:‘‘ إذا كان العري ضرب من ضروب الحضارة ، فالحيوانية أرقى الحضارات’’.   في المقابل، ليست المرأة فقط الطرف الذي يستوجب لومه، بل هناك مذنب أخر، هو الرجل. إذا كان المجتمع يحتم على المرأة نوعا خاصا من الزينة و اللباس، كرمز مشفر يساعدها على الاندماج و الانخراط في أية منظومة تعود عليها بالربح و المكافئة ( مثال عن البرغماتية ) ، فهي بارتدائها لتلك الملابس تكون مكرهة لا بطلة.فالرجل هنا يلعب دور الزبون. والزبون كما جاء على لسان الفرنسيين، يعد ملكا، وإرضاؤه أكان مخطئا ام صائبا واجب لا يناقش. وانطلاقا من معايشتنا للواقع و انصهارنا الكلي في مختلف تجلياته، في مقاهيه، مقاطعاته، مراكزه التجارية، محطاته، مؤسساته التربوية، في كل مكان يلتقي فيه الجنسان، يظهر جانب من التمييز والمقاربة المغشوشة ليهيمنان على المشهد بأسره، فإذا بدت الفتاة في شكل مثير و منفتح ، قضي مأربها على حين غرة، وإذا غدت الفتاة محتشمة حيية في لباسها، قضت جل وقتها في ’’غرفة الانتظار’’.فسر التفوق يبقى هو ’’ إرضاء الزبون’’، مع الأسف. الرجل المغربي (البعض) ينظر للمرأة على أساس  أنها جسد فقط، بل عورة إن لم أبالغ في القول. هذا يرمي إلى حقيقة مفادها إن الرجل المغربي هو وريث الرجل الهمجي، امتداد لاندفاعه الغريزي الغير مقنن، و مرآة تعكس حبه الأعمى لجسد الأنثى أكثر من أي شيء أخر قد يميزها. هذه الرؤية تذكرني ببما كان عليه الحال في عشرينيات و ستينيات القرن العشرين، حين بزغ نمط من الحياة طغى عليه نوع من الضياع و التو هان، ما عرف آنذاك بالجيل الضائع – هيمينغويي- ، والذي تلاه الجيل الضارب – كيرواك- ، أثناء هذه الحقبة اعتبرت المرأة مادة جنسية، أداة للترفيه، و بدون قيمة. كما جاء على لسان المفكر الأمريكي جيوفري دان:َ

‘‘ النساء في أحسن الأحوال، كانوا مجرد زوجات، يلدن و يعملن في المنزل’’.

 وليكون كلامنا  واقعيا أكثر مما هو إنشائيا،  يجب تفحص نظرات الرجل المغربي أثناء رؤيته فتاة ما، آلة تتفحص جسد المرآة من أخمص قدمها إلى مفرق رأسها، من الأسفل إلى الأعلى، فما يهمه هو التمعن في الأعضاء البارزة، أما ملامح الوجه آمر لا يثير حفيظته مادامت المقادير المهمة  كلها متوفرة.

     الآن لنعرج على سؤال آخر مستفز: ما الفرق بين ترصد الأسد لفريسته، و ترصد الرجل لجسد امرأة؟ الجواب ليس من فرق هنالك مادام الاثنان يتطلعان للظفر بما يدعى‘‘ اللحم’’. هنا تساوى الإنسان و الحيوان في ميزان الغريزة، وعدنا بذالك مئات السنين إلى الوراء لنصادف من جديد المقولة الفلسفية: ‘‘ الإنسان حيوان ميتافيزيقي ’’. إن نظرة الرجل المغربي للأنثى يجب أن تتخلق،و أن تصور الفتاة على أنها شريك في الحياة و النمو،و فاعل اجتماعي،و سياسي،و رياضي،و تربوي..وأنها قبل كل شيء ، إنسان لا ينبغي الاستخفاف بقيمته وكرامته.

وتأسيسا على ماسبق، التحرش الجنسي هو نتاج انفتاح الأنثى من جهة و اندفاع الذكر من جهة أخرى، نتاج  تعلق الفتاة المغربية بثقافة السيلكون و تعلق الشاب المغربي ‘‘ بأصبع بطنه ’’.  

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد