أسرى الاستبداد من بني الإنسان

بقلم : حمزة بلقاضي

يعد الاستبداد أداة مخيفة بطبيعته وبذلك يرى في تفرقة الناس الضمان الأكيد على بقائه يبذل كل ما في وسعه ليفرق بينهم وليس من رذائل النفس البشرية ما هو أحب للمستبد من الأنانية إذ يغفر بسهولة لمحكوميه كراهيتهم له ماداموا لا يتحابون في ما بينهم. ولا يطالبهم بان يعينوه على تسيير شؤون الدولة : يكفي أنهم لا يطمحون لتسييرها بأنفسهم. وينسب الشغب والقلق لأولئك الذين يتوقون إلى توحيد الجهود من اجل تحقيق الرخاء العام, ويغير المعنى الطبيعي للكلمات عندما يسمي مواطنين صالحين أولئك الذين ينطوون انطواء شديدا على أنفسهم ” {الكسيس توكفيل} .
إن الإنسان الذي يمد يده يطلب الحرية ليس بمتسول ولا مستجد وإنما هو يطلب حقا من حقوقه التي سلبته إياها المطامع البشرية, فان ظفر بها، فلا منة لمخلوق عليه ولأيد لأحد عنده. ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثا جديدا, أو طارئا غريبا وإنما هي فطرته التي فطر عليها مذ كان وحشا يتسلق الصخور, ويتعلق بأغصان الأشجار . من أصعب الأشياء التي يحار العقل البشري في حلها إن يكون الحيوان الأعجم أوسع في الحرية ميدانا من الحيوان الناطق فهل كان نطقه شؤما عليه و على سعادته. وهل يجمل إن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيدا بحريته كما كان قبل إن يصبح ذكيا ناطقا يحلق الطير في الجو ويسبح السمك في البحر ويهيم الوحش ما شاء في الأودية والجبال ويعيش الإنسان رهين المحبسين محبس نفسه ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد نعم صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغلالا وسمها تارة ناموسا وأخرى قانونا ليظلمه باسم العدل و يسلب جوهر حريته باسم الناموس والنظام والسلطة والشرعية… صنع له هذه الآلات المخيفة وتركه قلقا حذرا مروع القلب مرتعد الفرائص يقيم من نفسه على نفسه حراسا تراقب حركات يديه وخطوات رجليه وفلتات لسانه وخطرات وهمه وخياله لينجو من عقاب المستبد ويتخلص من تعذيبه فويل له ما أكثر جهله و ويح له ما اشد حمقه.وهل يا ترى في الدنيا عذاب اكبر من العذاب الذي يعالجه أو سجن أضيق من السجن الذي هو فيه كان الإنسان في مبدأ خلقه يمشي عريانا أو يلبس لباسا واسعا يشبه إن يكون ظله تقيه لفحة الرمضاء أو هبة النكباء فوضعوه في القماط كما يضعون الطفل وكفنوه كما يكفنون الموتى وقالوا له هكذا نظام الأزياء كان يأكل يشرب كل ما يشتهيه نفسه وما يلتئم مع طبيعته فحالوا بينه وبين ذلك وملئوا قلبه خوفا من المرض أو الموت وأبوا أن يأكل أو يشرب إلا كما يريد الطبيب وان يتكلم أو يكتب إلا كما يريد الرئيس الحاكم السياسي وان يقوم أو يقعد أو يمشي أو يقف أو يتحرك أو يسكن إلا كما تقضي به قوانين العادات، ليست جناية المستبد على أسيره انه سلبه حريته بل جيناته الكبرى عليه انه افسد عليه وجدانه فأصبح لا يحزن لفقد تلك الحرية ولا يذوق دمعة واحد عليها نعم هكذا أحبتي الكرام أصبحت الحرية تترك في سبيل النجاة وباسم الحياة رغم إن الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس فمن عاش محروما منها عاش ظلمة حالكة يتصل أولها بظلمة الرحم و أخرها بظلمة القبر

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد