من ساحات التحرير إلى ساحة التقسيم

بقلم: ذ. علي بونوا

 

لو كان في الناس خير لما احتاجوا إلى كلام غير القرآن ليتعضوا و يقتنعوا و يؤمنوا.. كيف لا و هو كلام الله؛ و من أصدق من الله قيلا؟ لكننا في زمن ينطق فيه الرويبضة و يتبعه من عامة الناس و خاصتهم ما شاء الله أن يتبعه، و إننا في عصر يصدق فيه الكاذب و يكذب فيه الصادق. فبماذا عسى الصدق ينفع قائله إن شاء الله أن يكذبه السامعون؟ و إن الإنسان لا يهدي من أحب و لكن الله يهدي من يشاء. كيف يكون للناس في النصابين و الكذابين و الدجالين إسوة و يظنون أن لا ملجأ من البأساء و الضراء إلا إليهم؟ إنه حالنا و واقعنا الصادم الذي لا مفر منه إلا إلى الله عز وجل، فطوبى لمن فر بنفسه و دينه إلى ربه و لم تنسه زهرة الحياة الدنيا آخرته و لم يمت إلا و هو مؤمن.

و المؤمن، يا أهل الإسلام، لا يلدغ من الجحر مرتين.. و سياق هذا التذكير ما يعيشه عالمنا الإسلامي، في بداية القرن الواحد و العشرين، من أحداث سياسية عبر أقطاره المتباعدة و التي من شأنها أن تأزم أوضاع البلدان الإسلامية و تقزم دورها في المنطقة كلها. لقد رأينا كيف أن الشعوب العربية ثارت على أنظمة الإستبداد و أسقطت حكاما طغوا في البلاد و أفسدوا حياة العباد طيلة عقود من الزمن. و شاهدنا كيف تهافتت الجماهير على ساحات التحرير و اعتصمت و احتجت و رابطت حتى بلغت المراد. و بعد التحرير المنشود و نشوته و النصر المشهود و نخوته كانت الجماهير على موعد مع الديمقراطية في مكاتب التصويت و عبر صناديق الإقتراع الشفافة. و هكذا أفرزت خريطة سياسية جديدة بمعطيات محلية جديدة.

إن أمة الإسلام مستهدفة يا حماة الملة و الدين، و الدليل على ذلكم أن الأمم تداعت عليها كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها. فلم يذكرني الربيع العربي الذي أزهر في قرننا الحالي إلا بالخريف العثماني الذي أسقط الخلافة الإسلامية في القرن الماضي. و كلنا يعلم سقوطها و كيف تم التخطيط له بالدسائس و المؤامرات من باب “فرق تسود”. كانت تلكم بداية مسلسل التقسيم بين مكونات الأمة، فبدأوا ببث النعرات العرقية بين الأتراك العثمانيين و العرب فانشطرت الدولة الإسلامية. بعدها أدخلوا النزعة الإقليمية بين مصر و سوريا و مازالوا يفتتون المنطقة حتى تفرقت الأمصار و تفردت الأقطار. هكذا رسمت خريطة جغرافية جديدة في سياق جديد. هاهنا لدغنا من الجحر مرة، و بعد الإنتداب و الحماية،  دفعنا أثمنة غالية كان أغلاها احتلال فلسطين.

اليوم لا يسعنا إلا أن نثني على إسقاط الطواغيت و المستبدين، لكن هناك أمور قد لا تتضح إلا باستقراء التاريخ و استنباط الدروس و العبر و استشارة المتخصصين. فلا نريد أن نلدغ من نفس الجحر مرتين و يأتي علينا يوم يعيد فيه التاريخ نفسه و لا نزداد إلا وهنا و ضعفا و تفرقا. فهل سنتعض مما حدث لأمتنا بداية القرن الماضي؟ أم هل سنكون لقمة سائغة أمام أطماع الوحوش الناعمة التي تتربص بأمة الإسلام؟ ربيعنا لا يجب أن يركبه الأعداء ليزيدوا الأمة ضعفا و تفتيتا. إنها غايتهم و أعز ما يطلبون. انظروا كيف لم تسلم تركيا من موجة “فوضاهم الخلاقة”؛ و لا تستغربوا أن العرب المقهورين ثاروا على الظلم و البؤس في ساحات التحرير و تحرروا؛ و لا تستبعدوا أن يثور الأتراك الغاضبين على العدالة و التنمية في ساحة التقسيم و يقسموا.               

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد