الداخلة..واد الذهب المنهوب

بقلم: حسن لمجيد

 

 ليس ثمة من شعب يسمح بنهب ثرواته،لكن ظروفا عديدة قد تطرأ و يصعب مغالبتها،تملي هكذا ممارسات. الداخلة انموذج حي لثروات منهوبة و مرحلة .

مدينة هادئة و جميلة استتب فيها النهب حتى صارت منطقة عالمية مشتركة للنهب و الاستنزاف.

االداخلة مدينة الهدوء:

مدينة لا كالمدن،شرنقة من بلور.. أغوت كل الحالمين بالغنى،شحذت همم المغلوبين و الطامعين و الحيارى..ترتوي بهواء تيرس العليل، و تفتح ذراعيها لكل الكادحين،تحتضن كل الوافدين..بحارها و بطاحها.

هي الداخلة،وردة متفتحة برغم القطاف..سفينة جانحة منهوبة تحاول الفكاك..امرأة يافعة نهلت من البحر عتوه بعد الهدوء..و من تيرس خصوبتها بعد طول جفاف.

سافرة بكامل زينتها، زاهدة و وادعة..متحالفة مع الصبر رغم النواسف الناهبة الجارفة.

هي نخلة ظلها للبعيد..تفرعت بحارا و رمالا و شواطئ اجمل من نبرة الطرب و احلى من صبوة النخب.

هي الداخلة..واد من ذهب مغصوب. .تذروه الرياح فيمضي غبارا.أغوت  المغامرين و الطامعين فتحولوا الى اخطبوط يخنقها من اجل لمعان ذهب الاخطبوط.

عندما يهدم الانسان

لا نستطيع ان نلوم الناس على ما يفعلونه بخيرات الداخلة، لان هناك نوعا من الصمت المتواطئ داخل النخب، يكفي ان نلقي نظرة سريعة على الفاعلين، حتى يعتصرنا الالم لدرجة السم السقراطي..لان النخب و الدولة بأم عينها من ينهب خيرات هذا البلد. بل اكثر من هذا، انهم يهدمون الانسان هنا بسياسات قاتلة و تنمية عرجاء، الكرطية و الريع و غيرهما من الاصلاحيات المزيفة تخبئ داخلها خنجرا ذو حدين.

تواطؤ الدولة و النخب معا في سياسة جهنمية  لهدر الطاقات و الكفاءات و تبليد العقول و هدم الانسان بالصحراء. و النتيجة مجتمع يجتاحه البؤس و الترهل التنموي بمبرر صون وحدة ترابية  تهتك يوما بعد يوم.

تنهب الخيرات و تقايض بكرطيات و ماذونيات و رواتب بلا عمل بمبرر التنمية البشرية.سياسة تفحمت  و لا تزال الدولة تصر على الاستمرار بتنزيلها..ظاهرها احتفاء بالإنسان الصحراوي و باطنها عقاب منزل بالمجتمع. البؤس و التفكك و الانحراف و التعهر و انهيار قيمة الانسان. و الحال ان الوضع في الصحراء بات يحتاج الى معاول الهدم قبل البناء..هدم الاساسات الخاطئة للسياسات المتبعة و هدم عماء الرؤى و البصيرة للحكومات المتعاقبة.

 

الة للنهب

تتعرض الثروة لشتى اشكال النهب من طرف اقلية مرتبطة بمراكز النفوذ من جهة، او اخرى تبتز الدولة بإشهار ورقة الانفصال..و الكارثة ان النهب هنا لا يتعلق بممارسات معزولة، بل هو لوبي اخطبوطي يوفر الحماية و الغطاء لكل الدائرين في فلكه..سياسيون و منتخبون و مجتمع مدني و حقوقيون.

عندما يصدر السمك من الداخلة الى مناطق اخرى و لا يستطيع المواطن البسيط القاطن بها شراءه لغلاء ثمنه..فذلك نهب.

عندما تقتل البطالة ابناء المنطقة غيرهم يعمل..فذلك نهب.

عندما يلقى القبض على مركب يحترف الصيد المحرم و يخلى سبيلهمقابلغرامة.. فذلك نهب.

عندما يقبض الناشطون في احدى الجمعيات على شاحنة محملة بصيد ممنوع و لا يحرك المسؤولون ساكنا..فذلك نهب.

عندما  يفلت اللصوص الكبار و لا يلقى القبض الا على صغار الموظفين كما حصل في مكتب النقل..فذلك ذر للرماد في العيون.

عندما تتناقص الثروات البحرية بالداخلة، و نغامر بمستقبل جهة بأكملها و لا يتحرك ضمير قاض و لا سيف متابعة و لا يثار سؤال برلماني او استغراب سياسي..فذلك تبديد و استنزاف لخيرات هذا البلد.

و عندما يكون هناك رواج بملايير الدراهم و لا ينعكس ذلك على واقع المدينة و مستوى عيش ساكنتها..فذلك النهب بعينه.

النتائج و المطالب

من المعلوم ان هكذا ممارسات لا تخلق الا مجتمعا استهلاكيا و اتكاليا بامتياز.مجتمع مستورد لكل شيء حتى الثقافات. و بمقابل ذلك تنكمش ثقافته و عاداته لصالح اخرى جديدة.

و هي كذلك تخلق مجتمعا يبجل و يقدس  اشخاصا او لوبيات بعينها تحتكر رؤوس الاموال او شخصيات سياسية تملك زمام اقتصاد الريع و تتحكم في توزيعه.

و لذلك وجب اتخاذ قرارات حاسمة لتجاوز الازمة التي تخلقها مثل هذه السياسات:

+ الاهتمام بالعملية التعليمية باعتبارها حجر الاساس في أي نهضة مجتمعية

+ توجيه المدخرات و ضخها في الاستثمار في المشروعاتالصناعية الكبرى من اجل بناء قاعدة صناعية و اقتصادية بدل الاعتماد على الخيرات المستنزفة

+ الاهتمام بالمشروعات الصغيرة و تمويلها بشفافية و دون المرور عبر قناة المنتخبين و الاعيان باعتبارهم حجر عثرة امام أي مبادرة

+ تهيئة البيئة الاستثمارية و التخفيف من الاجراءات التي تعرقل اية بوادر.

+ و قبل ذلك كله تأهيل الانسان بهذه المنطقة باعتباره النواة الحقيقية لكل اقلاع اجتماعي او اقتصادي او حتى سياسي.

 

                 يقول المثل ( الدراهم مثل المراهم تداوي كل الجروح ) و يبدو ان هذا المثل على خطئه هو القاعدة التي تنبني عليها السياسات المتبعة في هذه المنطقة.  لكنهم ينسون او يتناسون انه عندما تقل هذه الدراهم او تنعدم، سوف تتحول الجروح الى دمامل تنفجر بصديدها و قيحها و دمها و قد تنزف * كديم ايزيك* اخر اكبر و اخطر. و حينها سيتوافق لسان الصحراويين مع ما قاله المتنبي قديما:

الهجر اقتل لي مما اراقبه                                  انا الغريق فما خوفي من البلل.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد