رئيس الحكومة في الدستورين المغربي و التركي. الحلقة(2)

 بقلم : رشيد الفرتيت – باحث في العلوم السياسية و القانون الدستوري.

 

التتمة ….

 

قلنا أنه في دستور 1962 ، حافظ الملك على أهم إن لم نقل على كل الصلاحيات،إذ  كانت العديد من الاختصاصات ممركزة بيده، وتم إلغاء رئيس الحكومة، الصفة التي كانت سائدة في السابق، وأصبح رئيس الحكومة هو الوزير الأول. بيد أن الرئيس الفعلي للسلطة التنفيذية هو الملك، والحكومة كانت تابعة، من ناحية الاختصاصات والشكل. فالملك هو الذي يُعين الوزير الأول وباقي أعضاء الحكومة، وبإمكانه أن يقيلهم، ولم تكن للوزير الأول سلطة على الوزراء، فلا يقترحهم ولا يعفيهم. الحكومة كانت منبثقة فقط من الإرادة الملكية، ولم تكن لديها علاقة بالبرلمان، والملك كان يرأس المجلس الوزاري، الذي كان يتمتع بالاختصاصات الأساسية، فالملك كان يمارس جزءا من السلطة التنظيمية.

وفي إطار دستور 1970،  ستتكرس تبعية الحكومة المطلقة للملك، بل أكثر من ذلك، سيمارس الملك كل السلطة التنظيمية، وأصبحت الحكومة، دستوريا، شكلية جدا. وفي سنة 1972، سيقع ما يمكن أن نسميه إعادة بعض التوازن، إلى الحكومة، إذ سيستعيد الوزير الأول، والحكومة ممارسة السلطة التنظيمية، وسيسترجع مجلس الوزراء بعض الصلاحيات، لأنه خلال فترة الاستثناء، كانت السلط ممركزة في الديوان الملكي،إذن دستور 1972  سيحدث نوعا من التقدم البسيط، لكن التحول الحقيقي وقع مع دستور1992، لأنه الأول الذي كرس الطابع البرلماني للنظام السياسي المغربي، كيف ذلك؟

لأن الحكومة ستصبح بمقتضى هذا الدستور مسؤولة أمام الملك وأمام البرلمان، على اعتبار أنها أصبحت مطالبة بأن تعرض البرنامج الحكومي على مجلس النواب، ويكون موضع تصويت. فدستور 1992 شكل تحولا أساسيا في الحياة الدستورية للمغرب. والتحول الثاني الذي سيعرفه المغرب، هو دستور2011، الذي يشكل منعطفا مهما، لأنه مقدمة في تجاه الملكية البرلمانية المنشودة من طرف جميع الأطياف المغربية( النموذج البريطاني)، لأن الحكومة أصبحت لها استقلالية نسبية تجاه المؤسسة الملكية، من خلال تنصيبها، بعد المصادقة على برنامجها من قبل مجلس النواب، بمعنى أن  الحكومة أضحت منبثقة من صناديق الاقتراع، من الاقتراع المباشر.

صحيح أن الملك هو الذي يعين الوزراء، لكن باقتراح من رئيس الحكومة، وهذا هو الأساسي، في الدستور الجديد، فقد مررنا من المسؤولية المزدوجة إلى التنصيب الأحادي،لأن الملك يعين الحكومة، لكن  لا يكون للحكومة كيان قانوني حقيقي إلا بعد أن تحظى بثقة مجلس النواب، ويتم تنصيبها من طرفه، بمعنى أننا أصبحنا أمام مسؤولية الحكومة تجاه مجلس النواب ممثل الشعب.

إقالة الوزراء :

 مسألة إقالة الوزراء أثارت منذ البداية، ملاحظات، وأعطت الانطباع بأن هذا المقتضى يُشوش على الخيط العام الناظم للمراجعة الدستورية، الذي يتحدد في أننا في إطار نظام برلماني ثنائي، حيث السلطة التنفيذية مقتسمة بين الملك، والحكومة، ونحن نسير في اتجاه إقرار مسؤولية الحكومة أمام مجلس النواب، بمعنى انتقلنا من مسؤولية الحكومة أمام  الملك ومجلس النواب، إلى حكومة مسؤولة أساسا، أمام مجلس النواب. هذا هو المنطق العام الذي ينبغي أن يسود، أي أن الحكومة يجب أن تكون مسؤولة أمام مجلس النواب. الملك يعين، ولكن الحكومة تكون مسؤولة أساسا أمام مجلس النواب، على اعتبار أنها منبثقة من الأغلبية البرلمانية. وهذا تطور يمنح الوزراء الإحساس بأن   رئيسهم هو رئيس الحكومة، ويعطيهم الانطباع بأنهم مسؤولون ومراقبون من طرف مجلس النواب، الذي نصب الحكومة،على قاعدة البرنامج الذي تم التصويت عليه وحظي بالثقة. حينما تُعطى للملك صلاحية إعفاء بعض الوزراء، وهو لا يملك سلطة إعفاء رئيس الحكومة، أعتقد أننا نُدخل بعض التشويش على  المنطق العام المتحكم في المراجعة الدستورية، وسننتظر الممارسة، ولكن حينما طرحت هذه القضية للنقاش في إطار الآلية السياسية، أثيرت مسألة الخلافات الممكنة بين رئيس الحكومة مع عضو في الحكومة، وصعوبة اللجوء إلى إقالته، إذا كان الأمر يقتضي ذلك،  ولذلك تحدثنا عن التشويش، لأن الحكومة سيكون لديها تعاقد مع مجلس النواب، ومع المواطنين، لذلك، فإن ارتباط الوزراء يجب أن يكون مع رئيس الحكومة، فهم يشتغلون في إطار الحكومة ، ويعتبرون أنفسهم مسؤولين أمام مجلس النواب، لذلك كان المنطق العام يقتضي ترسيخ هذه العلاقة.

 إن  الإنتقال من ملكية مطلقة، إلى ملكية تنفيذية، إلى ملكية برلمانية تشاركية، في أفق الانتقال إلى ملكية برلمانية حقيقية، تتمتع فيها الحكومة بكامل السلطات والاختصاصات المستقلة عن الملكية، والسلطة القضائية، والتشريعية تعتبر أحد أهم مطالب الهيآت السياسية والنقابية، والمجتمع المدني.

  في ظل الدستور السابق، كان يتم تعيين الوزير الأول من خارج الأغلبية، وحتى اقتراح مشروع قانون على البرلمان، كان من الضروري أن يمر، قبل كل شيء على المجلس الوزاري. والتحول وقع في هذه النقطة بالأساس، ولكن لابد من الإشارة إلى مشكل الثقافة «الحكومية»، إن شئنا التعبير، السائدة عندنا، فحتى لو منحنا صلاحيات واسعة للحكومة، فهل الأحزاب مؤهلة فعلا، أن تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ألا نصبح أمام حكومة العائلات؟ وهل ستختفي تلك الحسابات المرتبطة بسيادة الثقافة التقليدية المخزنية داخل الأحزاب؟ لهذا، أعتقد أنه لا يجب أن نتوقف، بالضرورة، عند الدستور وما يعكسه من حمولة، بل يجب أن نثير مسألة  تأويل وترجمة مضامينه ومقتضياته .

 

يتبع…,

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد