بقلم: ماءالعينين سيدي بويه
إن منطق التاريخ، إنطلاقا من الرقعة الجغرافية مرورا بعلاقات الدم والمصاهرة، تقضي بأن الشعب القاطن في الصحراء المغربية/الغربية تربطه بالمغرب علاقات واضحة، ولكن من منطق السياسة والعلاقات الدولية ، فالصحراويين شعب تحت وقف التنفيذ نتيجة الإحتلال الإسباني ، وما المغرب وفق إتفاقية مدريد 1975 إلا دولة متكفلة بهذا الشعب. ومنذ ذاك الحين والصحراء تتحول إلى مدن ومناطق سيادة تابعة إداريا وجغرافيا للعاصمة الرباط. بالرغم من أن الهاجس السياسي كان حائلا عويصا دون تقدم الربوع الصحراوية ، وإستغلال ثرواتها بشكل جزئي ولذلك فإن مجهودات الدولة وميزانياتها تجاه تنمية تلك الأقاليم رغم حجمها بقيت محتشمة (على عكس ماهو شائع في مخيال سكان المغرب أن الدولة تخسرا مليارا في اليوم على المنطقة ،وان سبب تخلف المناطق الأخرى هو الصحراء وأيضا فسكانها ا
لأصليون هم بمكانة غنى الوافدين من الخليج… )هذا من ناحية.
أما من ناحية أخرى، فلم تستدراك الدولة تصحيح أخطائها السابقة، خاصة في جانب المقاربة الأمنية التي يتم فرضها بالمنطقة ما زاد الطينة بلة. فتعمدها إستعمال العنف ضد الصحراويين (خاصة انفصاليي الداخل ) ومقاربة الشك والإتهام (في حق الوحدويين ).صرفا عن معرفتها الكاملة بسيكولوجية هؤلاء منذ إنتفاضات 1972و1973 .وأثناء فترة الحرب 1979و1980 بإقتحام مدينة طاطا من طرف البوليساريو…وصولا إلى أحداث العيون الأولى 1999 ثم السمارة 2005، وأخيرا أحداث “كديم ازيك”2010 .كل هذه الأحداث مازالت لم تضمدها مخيلة الإنسان الصحراوي (رغم اعتراض الدكتور حماه الله ولد السالم على صفة سكان صحراويين ). فعلى الدولة تغيير منطق العنف والرصد الأمني للمنطقة، ومحاولة بناء تنمية و ثقة حقيقية هناك.
كما لايفوتنا إستدراك إشارة هامة حول أحداث المخيم المذكور، وهي أن ردة الفعل هذه المرة خرجت عن طبيعة ردة فعل سابقاتها من الإحتجاجات، حيث تميزت بالفوضى المنظمة. فداخل الرعب الذي بثته القوات المغربية اثناء تفكيك المخيم بموجب القانون وتسرب أنباء مغرضة إلى أهالي العيون عن حدوث مجزرة، قامت عناصر ومن الصعب القول أنها خارجية بإستهداف عناصر الأمن (وليس المغاربة من المناطق غير الصحراوية ) وحرق مؤسسات الدولة، بمعنى استهداف رموز السيادة للدولة.
فهل فعلا تم إختراق المخابرات المغربية في مدينة العيون أثناء مدة الإعتصام الجماعي، من قبل كومندس مدرب وإستغلالهم لأحداث العنف المتوقع ضد المعتصمين في الخيام. وبالتالي خطأ آخر قاتل سقطت في تلابيبه الدولة ولم تستطع فك القراءة المقصودة من وراء تصعيد العنف في المنطقة.ولكن كيف لنا تصديق ذلك؟ هذا يعني أن منطقة الصحراء التي تجند لها الدولة المغربية كل قدراتها الأمنية قد تم إختراقها ما يجعلها قابلة للإنفجار والإختراق،بل ستكون عاملا مساعدا للجبهة في حال إندلاع الحرب مجددا، وذلك ما سبق أن وعدت به على إثر فشل تفاوضها غير المباشر مع المغرب ردا على تمسك المغرب بحل الحكم الذاتي.
قبل شهرين من إنفجار الثورات العربية:
وصول العلاقات المغربية الإسبانية إلى محك فاصل وأخير.ناتج عن إزدواجية الخطاب في هذه العلاقات وتشابكها ما يعقد الرؤية الواضحة لها. فمباشرة بعد الأحداث الدامية لمخيم العيون قام وزير الداخلية المغربي بزيارة نظيره الإسباني وتأكيد الشراكة بين الدولتين. في ظل مشاركة ناشطين وصحف اسبانية في توريط المغرب وصورته دوليا. فرغم الحرب التي شنتها تلك الأطراف وإعتبارها أن ما حدث في العيون مجزرة ضد الإنسانية، كان جواب المغرب على ذلك مسيرة مليونية حاشدة في الدار البيضاء، وليس في العيون (هناك الجواب الحقيقي )خاصة بعد دخول الحزب الشعبي على الخط وضغطه على برلمانه بل والإتحاد الأوروبي قصد التنديد بما حدث، وإصدار قرار توصية سترفع مباشرة للأمم المتحدة قصد بعث لجنة تحقيق الى العيون،وهذا أكيد تمهيد لما يرفضه المغرب وهو إضافة آلية مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء الغربية إلى بعثة المينورسو.
في هذه الأثناء وفي أوج فشل الديبلوماسية المغربية في حربها ضد حزب اسباني، يزور مدينة العيون وفد من المستثمرين الإسبان ويلتقى الوفد المغربي بوزيرة الخارجية على هامش قمة في أمريكا الاتينية. أليس هذا إرتباك؟ ثم بعدها مباشرة يعقد البرلمان المغربي جلسة للتنديد وشجب قرار البرلمان والحكومة الإسبانية بخصوص مخيم اكديم ازيك. وخلاصة لكلام رؤساء الفرق البرلمانية رفض التدخل الإسباني في الشان الداخلي المغربي ،وتذكيرها بأنها مستعمرة ولا زالت للثغور المغربية (جزر الخالدات ) ومدينتي سبتة ومليلية، وذلك ردا على وصفها للمغرب بالمستعمر للصحراء وشعبها. فكيف أن إسبانيا جارة وشريك؟ إذن فالصراع مع من ،هل مع أحزابها وصحافتها أم مع شبح دولة اسبانيا؟؟ أليست صحافتها وحزبها الشعبي من ضغط على حكومته والإتحاد الأوروبي الذي المغرب ، ليس إلا شريكا متقدما له؟؟ إذن ليس للمغرب من رد فعل سوى الإنسحاب من هذه الصفة.
أما فيما يخص الجزائر، ليس من الصواب كما نقرأ يوميا في الصحافة المكتوبة ونشاهد في الإعلام المرئي الإساءة لها وبشكل يتجاوز أحيانا أخلاقيات الديبلوماسية فلم نعد نفرق بين نظامها وتاريخ علاقاتها بالمغرب ولو أن هذه الجملة الغامضة تخفي ما فضحته أحداث المخيم الأخيرة. إن علاقة المغرب بالجزائر هي علاقة أشقاء اعداء. فشائعة تورط عنصر مخابرات جزائري في الأحداث الأخيرة ، وإتهام آلاف العائدين (المفارقة أنهم كان يقال عائدين من جحيم المخيمات والآن يقال… )من مخيمات تندوف أنهم مدربين ومتورطين في عمليات القتل البشعة لرجال الأمن المغربي.وهذه كلها معطيات تلقي بطيفها على تلبد سماء العلاقات بين البلدين.
وهذا ليس غريبا، إذ يمكننا رصد بعض المعطيات وسياسات الشد والجذب بين المغرب والبوليساريو (الجزائر )، فلنتذكر أن المعركة بين الجانبين تحولت من معركة فرض المقترحات السلمية على المبعوث الأممي ، إلى معركة المقارعة بالحجج والحيل السياسية، فإذا كان المغرب يرى في مقترح الحكم الذاتي الحل الذي
أفحم البوليساريو والجزائر، فهاذين الأخيرين يرون في معطى حقوق الإنسان (اللاجئين ) الحجة التي يمكن أن تحرج المغرب (خاصة كما سبق أن اشرنا أنه ملف حساس في المنطقة ) أمام المنتظم الدولي، ومنه النجاح في إفلات المنطقة من قبضة المغرب أمنيا بعد ان تكون بعثة الأمم المتحدة هي الرقيب .حينها سيتنقل مؤيدي الجبهة، امينتو حيدر والتامك و…أو ما يسمى انفصاليي الداخل بكل حرية.
وأيضا شهدت المعركة بين المغرب والبوليساريو/الجزائر، منحا جديد يقوم على توريط الخصم دوليا، تجلى ذلك بوضوح في تحريك الجبهة الصحراوية لقضية ولد التامك وسبعة أفراد معه، بعد زيارة قاموا بها الى مخيمات تندوف ولقاء عناصر عسكرية جزائرية وبعد عودتهم إلى المغرب تمت محاكمتهم، محاكمة عسكرية ،لم تتم الى الآن، كما تم تحريك ملف أمينتو حيدر التي أقامت قضية منعها وطردها من المغرب، ما إثارة الرأي العام الإسباني والأوروبي وحتى الأممي، ما عجل بعودتها الى مدينة العيون. هاذين المعطيين ليسا عاديين ولا يمكن تجاوزهما هكذا…؟ لأنهما أضيفا الى رصيد البوليساريو و زادا من دعمها.
رد المغرب، بعد إنقضاء أشهر قليلة على هذه المعركة غير المباشرة، هو المطالبة بإحصاء سكان مخيمات تندوف والإكتفاء بالقول أن هناك إنتهاكات صارخة لحقوق الإنسان مرجعها هو رواية الأسرى من الجنود المغاربة الذين يتذكرون فظاعتها. ثم إحراز مكسب تمثل في كسب تصريح مؤيد لمقترح الحكم الذاتي من قبل قيادي في البوليساريو_ و لو أن الغموض يشوب صفقة دخوله الى المغرب وإنتماؤه الى مركز الشرطة ، وهي النقطة الأسوأ في انتهاك حقوق الإنسان كما أشار الى ذلك قيادي عسكري سبقه عائدا الى المغرب.
كل هذه المناوشات أفضت الى تصعيد العنف في الصحراء الغربية، أو لنقل أنها خطوة قصدت الجبهة الصحراوية من ورائها توريط المغرب في ملف حقوق الإنسان لآلاف الصحراويين وليس فقط قيادي واحد (مصطفى سلمى ولد مولود ) لأن الدعاية الإعلامية والسياسية التي إنتهزتها البوليساريو وحلفاؤوها في اسبانيا والجزائر، ورطت المغرب في اتهامات الإبادة الجماعية لشعب الصحراء.
رغم مرور جلسة الأمم المتحدة المنعقدة اساسا على اثر احداث العيون بسلام، و وصفها للأحداث بالعنيفة وعدم إصدار قرار إدانة المغرب من قبل الإتحاد الأوروبي ومن دوله.
ومن بين سطور هذه الأحداث تمت تصريح غريب لوزير خارجية البوليساريو يطالب فيه برفع حماية المغرب عن الصحراء الغربية وعودة الحماية الإسبانية طعنا في اتفاقية مدريد الثلاثية لعام1975 . بين المغرب واسبانيا وموريتانيا. وهذا ما لايمكن أن يقبله أي صحراوي سواء إنفصالي أو وحدوي.

