سؤال القيم في النهوض الحضاري

 

بقلم : هشام أعناجي      

                                         

 بعد فشل الدولة القطرية التي تولدت عن اتفاقية “سايكس  بيكو”وهزيمتها سنة 1967م ،ظهرت دورة جديدة من الإحياء الثقافي الإسلامي بنت على نتائج الجولة الأولى من ذلك الإحياء التي دشنها زعماء الإصلاح وشهداء الحركة الوطنية من أمثال علال الفاسي وعبد الكريم الخطابي و مالك بن نبي…. ,الذين انتفضوا لمقاومة الإستعمار سياسيا وثقافيا من خلال الدعوة إلى التجديد و العودة إلى منهج السلف.

 و كان للقيم دور مهم في معركة الصراع الحضاري بين الغالب و المغلوب,لأنها تحدد لنا تصورنا للأحداث و للتاريخ,فالقيم هي”مجموعة من العقائد الدينية والفلسفية المفضلة وذات امتياز عند شعب ما أو حضارة ما” “1”.وعندما تصبح هذه القيم مفضلة تتحول إلى اسلوب حياة حيث تحدد لنا اذواقنا و مظاهرنا وبالتالي تتحول إلى مرجعية عليا فتصير بذلك نمط حياة.

 إن اضافة مفاهيم جديدة إلى الحقل المعرفي الإسلامي يعد اسهاما تجديديا في بناء الذات المسلمة ولذلك نجد أن الدكتور محمد الطلابي_أحد رواد الفكر الإصلاحي بالمغرب_كثيرا ما يتحدث عن القيم ودورها في النهوض الحضاري,فهو الذي أعطى تقسيما متميزا للأوعية الأربعة التي من خلالها تستمد القيم نشوتها وحيويتها,فالوعاء الأول عقدي فلسفي مرتبط بالمرجعية الدينية للمجتمع أي ذات منشأ رباني,والوعاء الثاني غائي يخاطب الوجود عن ماهيته,أما الثالث فهوأخلاقي باطني مرتبط بالضمير الإنساني,والوعاء الرابع يستمد قوته من السلوك الظاهري.ولكن لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم في ظل وحود ترسانة من القيم الدينيةّ؟.إن الجواب يقتضي منا فعلا لحظات من التأمل و التعقل,و لأن التخلف صار عنوانا لكل مجالات حياتنا ,فإن المسؤولية ملقات بشكل كبير على الحركة التحررية والوطنية الفاعلة وهي القلب النابظ”2″في المجتمعات المتخلفة, إذ بالسلوك الفكري الرشيد الذي لايخلوا من الفهم العميق لمسؤوليتها التاريخية المبنية اساسا على الرجوع إلى الذات أي إلى الهوية الأصل,وأي أصل إن لم يكن إلا “الأمة”؟ لا أريد أن يطول حديثي عن دور الرجوع إلى القيم الأصلية في التفوق الحضاري لكني سأضطر إلى ذكر مثال التجربة اليابانية كنموذج”انظر مقالي في الرابط الأتي”.

  إن الوعاء الأول السالف ذكره المرتبط بالعقيدة يمكن توصيفه بالفكرة الدينية”3″التي تدخل في المعادلة الحضارية المالكية(نسبة إلى مالك بن نبي) كمركب التي لا تخلوا عن دلالة عميقة في تفاعل جمالي”الوقت+الإنسان+التراب=الحضارة”.وبالتالي فالفكرة الدينية لما تحمله من قيم هي الموجه والموقظ إن صح التعبير لنهوض أي شعب كيفما كان نوعه.و لبد من ذكر بعض القبم الأخرى كالعلم والسلم حيث أن التحلي بها هو إيمان عميق بفكرة ناضجة عنوانها الإسلام ومنهجها في الإقناع هو الحوار بعيدا عن سلطة العنف الذي قال فيه رائد مدرسة اللاعنف الدكتور جودات السعيد بأنه مرض الإنسان.لكن في المقابل هناك قيم سلبية تنخر جسد الأمة لعل أبرزها الذلقراطية”4″والقابلية للإستعمار”5″,هذه ليست دعوة للتيئيس بل على العكس فإذا كانت القابلية للإستعمار تعبيرا عن تخلف المجتمع المسلم فإن هناك قيم القابلية للممانعة الصمود أبانت عليها شعوب الربيع الديموقراطي بإنتفاضات هزت أركان المستعمر قبل الأنظمة.هكذا تنبأ عالم  المستقبليات الدكتور المهدي المنجرة في كتابه الثائر”انتفاضات في زمن الذلقراطية “حيث أن الشعوب ستستمد معاني المقاومة من الشعب الفلسطيني البطل في ملامحه التاريخية.

  في اعتقادي أن ابرز قيمة يمكن أن تلعب دورا مهما في الشهود الحضاري هي قيمة المقاومة وذلك بالممارسة المتميزة البعيدة عن الإنغلاقية والرافضة للعنف وهي أكيد ضرورية وحتمية تاريخية لنهوض الشعوب المظلومة ,وهي كذلك سبيل الحوار العادل بين الحضارات كما قال “شاعر اليقضة الأوروبي”روجي غارودي في أحد فصول كتابه الرائع”حوار الحضارات” ‘إن السبيل الواحد في حوار الحضارات هو في مقاومة الحضارات الأخرى للحضارة الغربية’.لكن هل يستطيع القلب النابظ كما سميته افراز إجابات حقيقية للتأزم الذي وصلت إليه الأمة؟ في انتظار الجواب علينا العمل سويا أفرادا وجماعات من أجل إنقاد ما يمكن إنقاده.

تعريف قدمه المفكر المغربي محمد الطلابي . : “1”

مصطلح أطلقته على الحركات الوطنية التحررية .: “2”

مفهوم أنتجه المفكر الجزائري مالك بن نبي, للمزيد أنظر كتابه[ شروط النهضة].: “3”

                       كلمة مأخوذة من عنوان كتاب (إنتفظات في زمن الديموقراطية).      : “4”

مصطلح وصف به مالك بن نبي حالة التخلف في المجتمع المسلم .                    : “5”

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد