نظرية “أمارتيا سن ” Amartya Sen” كمدخل لتنمية الصحراء

بقلم: أزكري نورالدين ــ باحث في التنمية البشرية، عضو مركز الأبحاث و الدراسات السياسية و الاستراتيجية للشؤون الصحراوية

 

في الأيام الأخيرة كثر الحديث عن التنمية في الأقاليم الجنوبية  و خصوصا بعد خروج الورقة التأطيرية لتنمية هذه الأقاليم، التي أعدها المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي، هذه الورقة أعلنت و بكل وضوح أن النموذج التنموي الحالي  قد بلغ مداه، مما يوجب ايجاد نموذج تنموي بديل و جديد يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات السياسية، الاقتصادية،الاجتماعية، الجغرافية و المناخية لمنطقة الصحراء.

السؤال المحوري و الرئيسي المطروح اليوم هو: ما هي أسس و مداخل التنمية في الأقاليم الجنوبية؟ للإجابة عن هذا التساؤل لابد من تشخيص دقيق و تحليل عميق لواقع التنمية في الصحراء للوقوف على الاختلالات التي تعوق التنمية في هذه الأقاليم يتبعه نقاش جاد و عميق يتم فيه اشراك جميع الفعاليات،ليتم بعد ذلك تكوين تصور واضح حول واقع التنمية في المنطقة،و من تم اقتراح المداخل و الأسس التي سيؤسس عليها النموذج التنموي الجديد.

1- تشخيص و تحليل النموذج التنموي الحالي:

إن تحليل النموذج التنموي الحالي يظهر مفارقات عديدة بين الأرقام و النتائج المحققة و ذلك نظرا لحجم الاستثمارات العمومية المخصصة للمنطقة،اذ تعتبر الدولة هي المستثمر الأول في الأقاليم الجنوبية، لكن بالرغم من ارتفاع نسبة الاستثمار العمومي إلا أن مؤشرات البطالة، و الفقر و التهميش و الهشاشة لا زالت مرتفعة، مما يؤدي الى المزيد من الاحتقان و التوترات الاجتماعية المتكررة في المنطقة. أما بالنسبة للاستثمار الخاص و المبادرات الفردية فإنها ما زالت محتشمة و غير كافية و لا تعكس المجهودات المبذولة من طرف الدولة، مما يطرح التساؤل حول نجاعة السياسات العمومية التي تهدف لتشجيع الاستثمارات الخاصة في الصحراء.

 

2- اختلالات التنمية في الأقاليم الجنوبية:

ان التشخيص الدقيق لواقع التنمية في الصحراء يمكننا من الوقوف على مجموعة من الاختلالات الجوهرية التي تحول دون اقلاع اقتصادي حقيقي في هذه المنطقة،اذ انه بالرغم من ارتفاع نسبة الاستثمارات العمومية فإنها تخصص فقط للتجهيزات و البنيات التحتية. كما أن غياب استراتيجية واضحة للتنمية في هذه الأقاليم تتمحور حول العنصر البشري باعتباره العمود الفقري للتنمية، يحول دون تحقيق التنمية المنشودة، اضافة الى غياب مبادئ الحكامة الجيدة في تدبير الأموال العمومية،و استغلال النفوذ من طرف بعض الأعيان و شيوخ القبائل للاغتناء من المال العام عن طريق تفويت الأراضي،واستغلال رخص مقالع الرمال و الصيد في أعالي البحار.

 

3- أسس و مقومات النموذج التنموي المنشود:

يعتبر “أمارتيا سن” من أبرز المساهمين في اعداد التقرير الأول حول التنمية البشرية، و هو اقتصادي هندي حصل على جائزة نوبل للاقتصاد سنة 1999، ويرجع له الفضل أيضا في ابتكار الصيغة الجديدة لمؤشر التنمية البشرية. هذا العالم الاقتصادي دافع عن أطروحته التي تقوم على عدم حصر مؤشر التنمية البشرية في  الناتج الداخلي الخام فقط، اذ أكد على ضرورة ادخال مؤشرات أخرى و ذات أهمية كبيرة،و هي الكفيلة بإعطائنا الوجه الحقيقي للتنمية في كل دولة من دول العالم، مثل مؤشر الأمية و التعليم، مؤشر أمد الحياة.

أكد أمارتيا سن في كتابه “التنمية و الحرية”  على أهمية الحرية في التنمية،فبالنسبة لسن لايمكن التحدث عن التنمية في غياب الحرية، و يعتبر أن أهمية الحرية في عملية التنمية يمكن تعليلها بمبررين اثنين: أولا: مبرر التقييم: (أي تقدم لا يحقق و لا يجلب الحرية فهو لا يعتبر تقدما). ثانيا: مبرر الفعالية: (تحقيق التنمية يتعلق و قبل كل شيء بالإمكانية المتاحة للأفراد للمضي قدما في مبادراتهم الخاصة).

 

و من هذا المنطلق فان أي نموذج تنموي في الأقاليم الجنوبية لا بد أن يمنح لساكنة المنطقة هامشا أكبر من الحريات للتعبير عن حاجياتهم، و تشجيع مبادراتهم الفردية، و هذا لن يتأتى لا بإشراك جدي وفعال لجميع الفعاليات الحقيقية في هذه المنطقة، وخاصة فعاليات المجمتع المدني و الشباب، كما أن اشراك النخبة الأكاديمية الصحراوية من أساتذة باحثين، و طلبة باحثين أصبح اليوم حتميا للتقعيد لنموذج تنموي حقيقي ومندمج.

ان الأقاليم الجنوبية اليوم أصبحت في حاجة ماسة لنموذج تنموي يتم فيه القطع مع كل أشكال الفساد و اقتصاد الريع و استغلال النفوذ، هذه الممارسات التي كرستها نخبة تقليدية لاتريد الخير للمنطقة،و تقاوم كل المحاولات الجادة للتغيير و التنمية في الصحراء، كما يجب على الدولة أن تتحمل مسؤولياتها فيما يتعلق بتشجيع المستثمرين المغاربة و الأجانب للاستثمار في الصحراء،و إرصاء مبادئ الحكامة الجيدة، و ربط المسؤولية بالمحاسبة،كلها اجراءات ستساعد لا محالة على امتصاص البطالة و بالتالي التخفيف من حدة التوترات الاجتماعية التي تعرفها منطقة الصحراء.

وفي الأخير نقول أنه لا يمكن أن نحقق التنمية دون توسيع هامش الحرية الفردية،أو بعبارة أخرى فان تشجيع المبادرات الخاصة و منح الشباب الصحراوي هامشا واسعا من الحرية للتأسيس لمبادراتهم الفردية، هو مدخل استراتيجي للتنمية في الأقاليم الصحراوية. كما أن اشراك المرأة الصحراوية يعتبر رافدا من روافد التنمية في هذه الأقاليم، باعتبارها خزان مليء بالمواهب و القدرات التي تحتاج فقط للاهتمام.

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد