بقلم: أحمد سعيدي
” اطلبوا العلم ولو كان في الصين ”… مقولة تنطبق واقعيا على العشرات من الطلبة الصحراويين الذين تحملوا مشاق السفر ووحشة الغربة في ديار الجمهورية العربية المصرية طلبا للعلم وسعيا وراء استكمال دراستهم العليا بمعهد البحوث والدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية، بعدما استنفذوا جميع الطرق والسبل ودقوا أبواب جميع الجامعات والكليات المغربية أملا في الحصول على فرصة للتسجيل بهذه المؤسسات التعليمية، التي أصبح واقع التسجيل بها يعرفه الصغير والكبير، حيث تبقى الزبونية والمحسوبية إحدى أهم السمات المعتمدة كمعيار لاختيار المرشحين من الطلبة لولوج مسلك الماستر، قبل التوجه نحو الباب الأخير المتمثل في الدراسة في مصر التي تفتح أحضانها لهم بدون تمييز، كآخر فرصة لطالب العلم لتحقيق غايته.
لكن الطريق إلى مصر ليس مفروش بالورود كما يقولون، والحياة بها ليست سهلة كما يدعون، والدراسة أيضا ليست هينة كما يروجون. بطبيعة الحال ليس كل شيء سهل في الحياة، خاصة وان هذا الشخص أي ” الطالب ” متوجها نحو دولة جديدة وواقع وثقافة جديدة وأناس جدد، تفرض عليه التأقلم مع واقعه الجديد… وما يترتب عن ذلك من مصاريف إضافية كبيرة تتقل كاهل جيب عائلته المثقوب أصلا بنفقات ومصاريف الحياة اليومية في بلده الأصلي.
أولى العقبات التي تعترض طريق طالب العلم بجمهورية مصر العربية هي إجراءات الحصول على تأشيرة الدخول إلى هذا البلد وما يصاحب ذلك من تعقيد في المساطر الإدارية وبعد المسافة خاصة بالنسبة للطلبة الصحراويين الذين يتنقلون من أقاليمهم إلى مدينة الرباط للحصوص عليها، يلي ذلك محاولة الحصول على تذكرة السفر بأقل تكلفة من إحدى وكالات الأسفار المخصصة لهذا الغرض، والتي تبلغ في بعض الأحيان أثمان خيالية يعجز الطالب الذي يعتمد على إمكانياته الذاتية الحصول عليها بأثمان مناسبة، وكأن هذه الوكالات تتحين الفرص وتختار التوقيت المناسب لرفع من أثمان هذه التذاكر، حيث يتزامن ذلك مع مناسبات وفترات يضطر فيها هذا الطالب إلى اقتناء هذه التذكرة مرغما للتوجه إلى مصر لاجتياز امتحاناته، فكان الأجدر لو اتخذت هذه الوكالات خاصة الرسمية منها بعض المبادرات قد تحسب لها للتخفيف من وطأة معاناة هؤلاء الطلبة من خلال اتخاذ تدابير تهدف إلى تخفيض ثمن هذه التذاكر الخاصة بهذه الفئة.
صحيح أن مصر هي بلد لا يختلف كثيرا عن باقي البلدان العربية، وقد يخالجك شعور من الوهلة الأولى بأنك في بلدك، لكن هذا الشعور لا يغدو أن يتبدد مع مرور الساعات وليس الأيام. مشاق البحث عن منزل الاستقرار احد أسباب تبدد هذا الشعور، سبب ذلك الارتفاع الصاروخي في أثمان كراء الشقق خاصة في الأعوام الأخيرة، يضاف إلى ذلك العمولة الباهظة التي يطلبها سماسرة العقار في هذا البلد، صحيح يختلف الوضع من حي إلى أخر لكن الحديث هنا عن الأحياء التي دأب الطلبة على الاستقرار بها على مر السنين والتي تتماشى مع إمكاناتهم المحدودة، كل هذا في جانب ومصارف الحياة اليومية الباهظة في جانب أخر مع التذكير أن جل هؤلاء الطلبة لا زالوا يعتمدون على إعانة عائلاتهم بالمغرب للدراسة في مصر، دون الحديث عن رسوم التسجيل بالمعهد والمصاريف الشخصية الأخرى للطلبة كمصروف الجيب و التنقل، فهؤلاء الطلبة يعتبرون أفراد من الجالية المغربية بالديار المصرية وهم تحث عهدة السفارة المغربية بهذا البلد، صحيح أن هذه الأخيرة تقدم بعض الخدمات لهؤلاء الطلبة والتي تقتصر فقط على منحهم خطاب يهدف إلى تخفيض جزئي لرسوم التسجيل بالمعهد لا يتعدى 10 في المائة، لكن هذا الإجراء غير كاف في نظر الطلبة الذين يطالبون بإجراءات أخرى، في ظل غياب منح دراسية وتذاكر السفر وغيرها، مما قد تخفف عنهم وطاة الغربة في هذا البلد السعيد، على اعتبار أن الطالب بجمهورية مصر العربية كزميله بالمغرب ممن يتابعون دراستهم في سلك ”الماستر” فكيف يحصل زملائهم بالمغرب على منح دراسية في حين يحرمون هم من هذا الحق خاصة وأنهم في أمس الحاجة إليها من غيرهم، علما بأنهم من أوائل الطلبة المتفوقين كل سنة بمعهد البحوث والدراسات العربية بشهادة مدير المعهد، كل هذا مع استحضارنا لتلك المبادرة الشجاعة التي أقدمت عليها سفارة دولة ليبيا الجديدة التي قامت بالتكفل برسومات التسجيل الخاصة بطلبتها بمعهد البحوث والدراسات العربية إضافة إلى منحهم منح دراسية.
هذا مشهد ضمن مسلسل يعيشه الطلبة الصحراويين بجمهورية مصر العربية، هم كتبوا بعض فصوله خاصة تلك الجميلة منها بإمكانياتهم البسيطة، لكن أهم هذه الفصول ما زالت غائبة وان وجدت فهي دون المستوى المطلوب بسبب غياب دور شخصية مؤثرة وفعالة في هذا المسلسل ممثلة في الجهات الوصية، التي لا زالت غائبة عن لعب دورها بمسؤولية تجاه هؤلاء الطلبة، ليبقى حال لسانهم يقول ” بعد مرور 100 يوم من عمر الحكومة الجديدة كل عام وحكومتنا بألف خير”.

