الصحراء 24 : الشيخ احمد
خلّفت السيول العنيفة التي ضربت إقليم آسفي، مساء الأحد، حصيلة بشرية ثقيلة بلغت، وفق معطيات رسمية مؤقتة، ما لا يقل عن 37 وفاة، إلى جانب عشرات المصابين وخسائر مادية واسعة، ما دفع النيابة العامة إلى فتح تحقيق قضائي للوقوف على ملابسات الحادث وكشف أسبابه الحقيقية.
وبحسب وزارة الداخلية، أسفرت الأمطار الطوفانية التي هطلت في فترة زمنية قصيرة عن غمر نحو 70 منزلاً ومحلاً تجارياً، وجرف عشر سيارات، إضافة إلى نقل 14 مصابًا إلى المستشفى، في وقت تواصلت فيه عمليات البحث والإنقاذ بعدد من الأحياء المتضررة، خاصة بالمدينة القديمة.
وأفادت السلطات المحلية أن الإقليم شهد تساقطات رعدية قوية ومركزة لم تتجاوز ساعة واحدة، لكنها تحولت بسرعة إلى سيول جارفة، بفعل الجريان السطحي وغياب القدرة الاستيعابية لشبكات تصريف المياه في بعض المناطق، ما حوّل الأزقة والشوارع إلى مجارٍ مائية خلال دقائق.
وسجلت الحصيلة البشرية ارتفاعًا متسارعًا منذ الساعات الأولى للفاجعة، حيث انتقلت من أرقام أولية محدودة إلى 37 وفاة، في تطور يعكس صعوبة التدخل في “الساعة الحرجة” للكوارث الطبيعية، حين يكون عدد من الضحايا محاصرين داخل المنازل أو في محيطات يصعب الوصول إليها.
وفي سياق التدابير الاستعجالية، قررت السلطات تعليق الدراسة بالإقليم إلى حين تحسن الأحوال الجوية، في خطوة عكست حجم الاضطراب الذي عرفته المدينة، وتحولها إلى وضعية طوارئ ميدانية فرضت أولوية السلامة العامة.
ميدانيًا، أكدت مصادر محلية تسجيل انقطاع عدد من المحاور الطرقية، واستمرار تجمعات مائية كبيرة في أحياء عدة، خصوصًا بمحيط المدينة القديمة وشارعي بير أنزران وأبو الذهب، حيث تضررت مساكن ومحلات بشكل كبير.
ويكتسي فتح البحث القضائي أهمية خاصة، إذ لم يُتعامل مع ما جرى باعتباره حادثًا طبيعيًا محضًا، بل تقرر التحقيق في “الظروف والملابسات”، بما يشمل مدى جاهزية البنيات التحتية، واحترام ضوابط التعمير، وصيانة قنوات تصريف مياه الأمطار، وكذا نجاعة منظومة الإنذار والتدخل.
وفي قراءة علمية للواقعة، اعتبر الخبير في المناخ والهندسة الهيدرولوجية محمد بنعبو أن ما حدث يندرج ضمن سياق مناخي أوسع، يتميز بتوالي فترات الجفاف، ما أدى إلى تصلب التربة وفقدانها قدرتها على امتصاص المياه، محذرًا في الوقت ذاته من اختزال الفاجعة في العامل المناخي وحده.
وأوضح أن التغيرات المناخية أصبحت معطى ثابتًا يفرض مراجعة سياسات التخطيط الحضري وتحديث شبكات تصريف المياه، مؤكدًا أن المدن التي لا تكيّف بنياتها التحتية مع هذا الواقع تجعل من كل تساقط استثنائي خطرًا إنسانيًا محتملاً.
وبين العامل المناخي والهشاشة العمرانية، تبقى آسفي في انتظار ما ستسفر عنه نتائج التحقيق القضائي، لتحديد ما إذا كانت الكارثة نتيجة ظرف طبيعي استثنائي فقط، أم حصيلة تراكم اختلالات عمرانية وتدبيرية عمّقت من حجم المأساة.
