مابين الأرض والإنسان : أين يبدأ الحل؟

الصحراء 24 : بقلم / محمد بونعاج

* صرخة الحرف بعد زمن الصمت *
ما يسري في دمي من حبر الحروف، ورغبتي في ركوب صهوة السطور، ليس ترفًا لغويًا ولا نزوة كتابة؛ بل وجع صامت امتد طويلًا، كُبِّلت فيه الكلمة بقيود الحذر، وتكمَّم القلم بين الخشية والتأجيل…

أنا عبدٌ للكلمة، لكنّي حر حين أمتطي صهوة الصدق، لا أهاب سهام الجهل ولا طعنات النيات المريضة، فالفكر الحر لا يهزه الصراخ، ولا تزعجه نبال الكلام الركيك.

كم أخرسنا حروفنا، وأحرقنا نار القول في صدورنا حتى كدنا نختنق بصمتنا. لكن الوعي يبدأ بحرف، ثم كلمة، ثم موقف، ثم بحر من الموضوعات، ومع كل موج تظل الحقيقة أقوى من الإخفاء.

إننا اليوم لا نكتب لنشعل الفتنة، بل لنطفئ دخانها قبل أن يلتهمنا جميعاً. زَمَنُ الإصلاح لا يليق به السكوت، وزمن العقل لا يليق به الخوف.
* الإنسان قبل الأرض: أصل الحكاية *

في زحمة الشعارات وضجيج الملفات الدولية، ننسى أن أساس كل نزاع هو الإنسان، وأن أول شرط للحل هو احترامه وتمكينه.
القضية ليست خرائط تُراجع خلف أبواب، بل أحلام شباب، وذاكرة كبار، وأنين أسر صامتة.

أي صيغة سياسية — حكم ذاتي، أو غيره من الحلول التوافقية — لن تنجح إن لم تزرع الأمل في القلوب قبل الوثائق.
التنمية ليست مؤشرات تُسوَّق للإعلام، بل كرامة تُشعر بها الأمهات، وفرص يجدها الشباب، وعدالة تلمسها الأسر.
ورهان الغد ليس في استعراض المشاريع، بل في إعادة الثقة بين المواطن والدولة، لأن الشعوب لا تُقاد بالخوف ولا تُطمس بالأرقام.

* الواقع المحلي: بين صمت الناس وصوت الدولة *

هناك طبقة اجتماعية واسعة لا تُرى في الإعلام ولا تُسمع في التقارير…!!!!

صامتون؟….!

نعم. لكن ليس لأنهم راضون… بل لأن الخوف صار حائطًا سميكًا، ولأن النظرة الأمنية طغت حيث كان يجب أن تحضر العدالة والتنمية .
مشاريع تُعرض للعالم، وصورة وردية تُصدَّر للمتابع الدولي، بينما ما زال جزء من السكان يقف عند أبواب الحق في الشغل فقط، ينتظر دوره.
والصراع الحقيقي ليس مع الخارج… بل مع فجوة الداخل:

فجوة بين المراكز العليا وواقع الناس …
فجوة بين التقارير اللامعة والبطون الخاوية…
فجوة بين مشاريع الإسمنت واحتياجات الإنسان…

من يعاني بصمت ليس خائنًا، ومن يطالب بإنصاف ليس مشاغبًا، بل هو ابن الأرض يطالب بحقه كي يبقى فيها مرفوع الرأس فقط …

* إصلاح الداخل قبل انتظار الخارج *

الحكم الذاتي — أو أي صيغة سياسية توافقية — لن يُنتج نهضة إذا بقي المواطن خارج الحساب.
ومن الخطأ انتظار “اليوم الموعود” كأنه قدرٌ نازل من السماء.

المفاوضات طويلة، وموازين القوى معقدة، والمصالح الدولية متشابكة، وقد تتفرع الحلول في وديان الجيوسياسية بينما يجفّ نهر الأمل الداخلي.
لذلك، الحكمة تقول:

 فلنبدأ الآن بتنمية الإنسان، لا بعد الاتفاق؛ بل مواكبة مع الفعل السياسي ، كنية حين يبحث عن البرهان، أمام العالم وأمام المكون المعني أساسا ، حتى في الشتات ، كي يرى لا كي يسمع …
لأن الأرض ثابتة… لكن الإنسان حين ييأس يرحل أو ينكسر.

نريد أن نعيش في وطن كريم، نصون هيبته ويصون كرامتنا، لا نطلب ترفًا، بل الحق الطبيعي في العيش باحترام، والمشاركة في القرار،
والانتفاع من ثروات أرض نحرسها بقلوبنا قبل حدودها.

الوعي الاجتماعي في مواجهة العبث التحريضي

بعض الأقلام تحاول دق الإسفين بين المعنيين،

تشوّه، تتصيد الأخطاء،وتلبس ثوب “الغيرة على المصلحة العامة” وهي في الحقيقة تسعى إلى الفتنة.

يُهاجَم الأعيان والمسؤولون وكأنهم أصل المشكلة، بينما الحقيقة أعمق:
مسؤول يرغب ولا يستطيع،
وطبقة مقيدة بسلطة القرار المركزي،
وشعب يبحث عن نافذة يسمع عبرها الملك صوته كما هو، لا كما يُعاد صياغته في التقارير.
لا أحد يملك الحقيقة الكاملة، لكن لا أحد يملك حق احتكار الوطنية أو تخوين الصادقين.
خاتمة:

* الإنسان والقبيلة والهوية تتعدى جغرافية السياسة*

قبل أن يكون الحكم الذاتي ورقة سياسية، هو وعد اجتماعي لا بد أن يبدأ من احترام الإنسان وإعادة الثقة له.
ولأن الهوية الصحراوية ليست جغرافيا السياسة، بل جغرافيا الانتماء، فإن القبيلة ليست فخًا للتقسيم، ولا مرآة للبدائية، بل ذاكرة العرف، وركن العدالة العرفية، وبيت الكرامة الذي لم تهدمه العواصف.

هي تنظيم اجتماعي تراكم عبر القرون، حكم المكان والزمان قبل أن تُرسم الحدود، وبقي حين تغيّرت الرايات، لأنها ليست حدود رمل… بل حدود انتماء في الصدر والوجدان.

قد يسير العمران، ويتمدد الإسمنت، ولكن لا يجب أن يموت الصوت البدوي الحر الذي عاش بالقيم قبل القوانين، وبالأخلاق قبل الأنظمة:
الوفاء، النصرة، الحياء، الكلمة الشريفة، والعيش بكرامة.
هذه ليست رغبة قبيلة ضد دولة،
بل رغبة إنسان أن تليق به دولته،
كما يليق بها انتماؤه.
القرارات العملية المقترحة للتنزيل الواقعي
1. دعم القبائل بوسائل مادية لضمان العودة الآمنة لأبنائها في الشتات .
2. تحيين اللوائح الإسبانية بالتنسيق مع القبائل لضمان الشمول والعدالة الاجتماعية.
3. جبر الضرر وإعادة الموظفين المفصولين تعسفياً عن العمل بكل امتيازاتهم.
4. مقاربة اجتماعية لقبائل السجناء السياسيين للعفو الملكي والمصالحة المجتمعية،فهناك اكباد وقلوب منشطرة. بحكمة ” العفو عند المقدرة “
5. التسوية الكاملة لوضعية “الأشبال” بحكم تعيينهم بمرسوم ملكي. والعمل على خلق مبادرة مشابهة لامتصاص البطالة تحت اسم ” أشبال محمد السادس” او” الأمير مولاي الحسن “، على غرار مبادرة “الاشبال” التي ظلت راسخة في وجدان الساكنة كالتفاتة مولوية عبقرية وناجحة .
6. تعويض العمال الصحراويين المتقاعدين بأبنائهم في مناصب العمل.
7. اعتماد مؤطري تحديد الهوية كمرجعية اجتماعية ومعرفية رسمية هامة .
8. توريث مهام الشيوخ لأبنائهم حفاظًا على التوازن الاجتماعي.
9. تفعيل جميع المراسيم الملكية الخاصة بالصحراويين.
10. التحقيق في بطاقات الانعاش الوطني لما شابها من غموض أقصى بالتحايل غالبية المكون بالمنطقة.
11. إدماج العائدين لأرض الوطن إدماجًا اجتماعيًا وتنمويًا.
1. إطار سياسي اجتماعي شامل يعيد الثقة ويطلق التنمية المحلية. بشكل اكثر شفافية ومصداقية، وانطلاقا من القبائل كمرجع ظل اساسيا لضبط شؤون كل مبادرة بالمنطقة .
توقيع
ابن هذه الأرض، ابن الصحراء وسليل أحد شيوخها .
المنتمي لوطن لا يقيس الانتماء بالخرائط، بل بالصدق والوفاء.
بقلم : محمد بونعاج 

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد