الصحراء 24 : بقلم محمد فيرس
“جلس الإسكندر المقدوني – وهو من أعظم ملوك الأرض في ذلك الزمان- يوما فلم يسأله أحد حاجة، فقال لأصحابه: والله ما أعد هذا اليوم من أيام عمري في ملكي، قيل: ولم أيها الملك ؟ قال لأن الملك لا يوجد التلذذ به إلا بالجود على السائل، و إغاثة الملهوف ،و مكافأة المحسن؛ و إلا بإنابة الراغب و إسعاف الطالب”. ( كتاب الملل والنحل للإمام الشهرستاني).
تابعنا في الزيارة الملكية الأخيرة لمدينة العيون مشاهد بعض المواطنين وهم يسلمون على الملك محمد السادس والذي ترجل من سيارته ليصافح مستقبليه من ساكنة المدينة …و أكثر ما أثار الإنتباه عشرات الرسائل والتي أعطيت لجلالته وهي بالطبع لا تعدو أن تتضمن حاجات ومطالب شخصية و ربما منها ما يحمل بين طياته تظلمات وشكاوى ضد أحد ما تسبب في ضرر أو أذى لحق المشتكي . و من الطبيعي أن يسأل الرعايا الحاكم تحقيق ما يرونه أساسيا في حياتهم و معيشهم اليومي لكن ما حدث في العيون له تفسيرات و تأويلات تتبعد عن عفوية الفعل و إعتياديته خصوصا و أنه لم تكد تمضي على الإحتفال بالذكرى الأربعين لحدث المسيرة الخضراء و ما رافق ذلك من إجترار لمحطات الماضي و الحاضر في سبيل تنمية و إزدهار المنطقة و تحقيق الأفضل لساكنتها.
و مافتئ الإعلام العمومي كذلك يروج لأسطورة الإزدهار والتقدم بالأقاليم الصحراوية خصوصا مدينة العيون مقدما الإحصائيات و الأرقام المتعلقة بمسار التنمية وما حشدته الدولة من إمكانيات مالية وبشرية لتحسين الوضع الإقتصادي لساكنة المناطق الجنوبية و تحقيق الإقلاع المنشود على كافة الأصعدة .
لقد أبانت هذه الحركة العفوية للمواطنين عن تجذر الأزمة الإجتماعية بالمنطقة و غياب رؤية تنموية حقيقية تخرجهم من عنق الزجاجة بعد إستفحال الفساد و إستشراء النهب و المحسوبية والزبونية و إقتصاد الريع فضلا عن إستمرار النخب المتسببة في هذه الأزمة في تحكمها و هيمنتها على المشهدين الإقتصادي والسياسي محليا رغم ما يتم بذله من مجهودات جبارة لتنمية المنطقة عبر المشاريع و البرامج الكبرى والتي ترصد لها مبالغ مالية هامة مصيرها دوما أدراج الرياح .
فالزيارة الأخيرة للملك محمد السادس للعيون عرت بالملموس الواقع المزري للوضع بالمنطقة و كشفت المستوى المتدني للنخب التقليدية وعلى رأسها المنتخبون. منذ بداية الإستقبال ظهر الإرتجال و لاحت بوادر الإنقسامات والصراعات “الخاوية” . صف طويل من المستقبلين أفرغوا الترحيب من محتواه الأصلي و بادر بعضهم إلى تنفيذ أجندات ذوي النفوذ لإظهار الذات و التأثير على ترتيبات الإستقبال لكي ترسم صورة سلبية عن أداء إحدى الفئات دون أخرى أو خدمة قبيلة دون أخرى. والطامة الكبرى حدثت حين تقدم أحد المنتخبين وهو يحمل رسالة تضم مطلبا شخصيا وسط إستغراب الجميع متناسيا أن المنتخب دوره الحقيقي هو الوساطة و تدبير الإختلاف و توصيل هموم المواطنين و إنشغالاتهم للجهات المختصة .
و كان حريا بهؤلاء – و أخص بالذكر المنتخبين على وجه الخصوص- أن يستثمروا جهدهم ووقتهم في وضع البرامج التنموية المواكبة لحجم الإستثمارات و المشاريع المقبلة ضمن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الصحراوية . و كان أجدى بهم أن يجسدوا ثقة الناخبين – فهم يتبجحون دوما أنهم أتوا عن طريق صناديق الإقتراع رغم الشوائب الكثيرة التي شابت عملية الإنتخاب – على أرض الواقع بالعمل الجاد والدؤوب خدمة للصالح العام . و كان جديرا أيضا أن يترجموا الثقة المولوية فعلا و عملا بعد أن شنفوا مسامعنا بالمكالمة الهاتفية التي تلقوها من الملك نفسه لتهنئتهم بنجاح الزيارة السابقة ودورهم الكبير في تحقيق ذلك النجاح رغم ما راج في الأوساط المحلية عن تقارير سلبية رفعتها المستشارة الراحلة زوليخة نصري عن المشاريع التابعة للمجلس البلدي كالمحطة الطرقية و المكتبة العامة لما شابتها من خروقات و بطء في التنفيذ و عدم ملاءمتها للمواصفات المعمول بها وطنيا.
و لولا الأنشطة التي عقدت بموازاة مع الزيارة الملكية للعيون كالمجلس الوزاري و ما صدر عنه من قرارات هامة و كذلك التدشينات الرسمية لمشاريع هيكلية تابعة للمكتب الشريف للفوسفاط ، لأختلف الأمر وتعقد بسبب فشل المسؤولين والمنتخبين طوال السنوات الماضية في تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية بالشكل المطلوب بسبب تغليب المصالح الذاتية و إنتشار الريع و الفساد و غياب رؤية تنموية واقعية وإحتقارهم المتزايد للمواطنين الصحراويين .
لا يمكن التكهن بتداعيات الغضبة الملكية على الفاعلين المحليين بالعيون ، لكننا نجزم بأن التغيير حان أوانه و بات مؤكدا أن أي تأخير نتائجه وخيمة في المستقبل القريب… فالمنطقة تعيش اليوم نهجا جديدا في تدبير الشأن العام بعد التنزيل الفعلي للجهوية الموسعة و في حال إستمرار الأساليب ذاتها في العمل مع بقاء الوضع على ما هو عليه فإن مآل التجربة –حتما- الفشل الذريع …
فالنخب الحالية غير قادرة على قيادة سفينة التنمية بالمنطقة نحو بر الأمان :أولا لعدم توفرها على المعايير العلمية المطلوبة ؛ و ثانيا لكونها سببا مباشرا في الإختلالات و المشاكل العميقة والتي تراكمت لعقود طويلة لتنتج وضعا مشوها قابلا للإنفجار في أي لحظة ؛ و أخيرا لأنها ليست نابعة بشكل مباشر من المجتمع بل هي صنيعة ظروف و و مراحل معينة ، و بالتالي فهي لا تحظى بالشعبية الكافية لتعيد زرع الثقة بين المواطن و الدولة و لن تنجح في لعب دور الوساطة .
ما هكذا تورد الإبل
منذ سنوات عدة ونحن نستمع لبعض المنتخبين وهم يتشدقون بأفضالهم و أياديهم البيضاء على تنمية وتحديث المنطقة لكن الزيارة الملكية الأخيرة أطلقت رصاصة الرحمة على هذه الدعاوى والأوهام المزيفة .لم يحظى ولا مشروع واحد من مشاريع المجالس المنتخبة بشرف التدشين والتزكية الملكية مما يزكي ما رصدته الراحلة زوليخة نصري من إختلالات و تجاوزات خطيرة في هذه المشاريع والتي صرفت عليها أموال طائلة و إستنفذت الكثير من الوقت والجهد .
إننا اليوم أمام مفترق الطرق : مشروع ضخم (الجهوية الموسعة) تبنى عليه آمال و تطلعات ؛ وواقع تزيده العديد من المشاكل تأزما وتعقدا . نحتاج في الوقت الحالي لتشخيص عملي لهذا الواقع للوقوف على الأسباب و العوامل المؤثرة و لطرح التصورات والإقتراحات الكفيلة بإصلاح ما أفسدته نخب عفا عليها الزمن بعد أن تكسدت ثرواتها وتكلست أفكارها و عقولها .
لنا موعد في المقالات القادمة لكي نضع المبضع على الجرح و لنتعرف على أهم مكونات النخب التقليدية و عناصر قوتها و ضعفها و دورها في إستمرار الوضع المأزوم بالمنطقة ثم لنكتشف آفاق الإصلاح .

