الدكتور الطالب بويا ماء العينين
المحور الثاني : الاختصاصات الدستورية للجهة من خلال القانون المنظم للجهات
ان مسألة تنازع و تداخل الاختصاصات بين الدولة و الجماعات و الجهة بصفة خاصة ، لطالما ظلت موضوع نقاش مستفيض في العديد من المناظرات الوطنية و الندوات واللقاءات لمعالجة الإشكالات المطروحة ، وتحديد الاختصاصات بين الدولة و الجهة ، حتى يتحقق التكامل و التناغم في الادوار بدل التداخل و الازدواجية التي تؤدي الى تشتيت جهود التنمية .
لذلك نص الدستور الجديد، مواكبة منه لهذه المتطلبات ، على ضرورة منح حرية الفعل و المبادرة للمجالس الجهوية، ومنحها إمكانية اتخاذ القرارات التي تهم تدبير الشأن العام الجهوي. وتخويلها سلطة التداول وتنفيذ مقرراتها . وإعطاءها السلطات و الامكانات المالية للقيام بمهامها، التي قوامها إعادة توزيع الموارد المالية بين الدولة و الجهات في اتجاه تقوية الاستقلال المالي و الشخصية الاعتبارية ترسيخا للامركزية الجهوية ، كما أقرها الدستور. و المقرونة، من أجل إنجاحها، بمجموعة من الاختصاصات و الصلاحيات الدستورية الواسعة الممنوحة للجهات في اطار ممارستها وتدبيرها للشأن المحلي[1] .
فكما هو معلوم لدينا مجموعة من الفصول المعنية بممارسة الجهة لاختصاصاتها كما هو الشأن بالنسبة للفصل 136 من الدستور ، والذي يخول لكل جهة في حدود اختصاصاتها سلطة التداول بكيفية ديمقراطية بخصوص تنفيذ مداولاتها و مقرراتها طبقا لأحكام النصوص التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل .اذ يجعل هذا الفصل مبدأ التدبير الحر من المرتكزات الجوهرية التي يقوم عليها التنظيم الترابي . الأمر الذي يجعل من القانون التنظيمي 14/111 في مادته الرابعة منسجما و متناغما ، مع الدستور، حينما يؤكد على ان تدبير الجهة لشؤونها يقوم على مبدأ التدبير الحر .
في السياق ذاته ، يتحدث الفصل 146 من الدستور عن مبدأ التدبير الحر بشكل واضح و صريح في الفقرة الأخيرة منه ، حيث يحيل على قانون تنظيمي لتحديد مبادئ و قواعد و شروط تنظيم و تدبير الجماعات الترابية، بما في ذلك قواعد الحكامة المتعلقة بحسن تطبيق مبدأ التدبير الحر .[2]
كما أنه من المقومات الاساسية لمبدأ التدبير الحر ، منح الجهات حرية التعاقد في اطار الاختصاصات التي ستؤول إليها، بما في ذلك التعاقد مع البنوك للحصول على القروض اللازمة لتمويل مشاريعها ، وليس فقط من صندوق التجهيز الجماعي . دون تدخل او مراقبة من وزارة الداخلية .
فالجماعات الترابية كانت تتمتع دائما بهامش من حرية التدخل و الابتكار في تدخلاتها التعاقدية ، كما هو الحال بالنسبة لاتفاقيات التدبير المفوض المبرمة ، والتي تؤكد على أن تسيير المرافق العامة المحلية كالكهرباء و الماء و التطهير و معالجة النفايات و النقل الخ ، يتم في اطار صيغ فريدة من نوعها أحيانا ، ولا علاقة لها بالاستغلال المباشر
فمن الواضح اذن أن الحرية التعاقدية للجماعات الترابية المعززة بالمبدأ الدستوري المسمى ” التدبير الحر “، هي التي تشكل المصدر الاولي لهذه القوة الخلاقة و هذا الابداع القانوني[3] .
فإذا أرادت جماعة ما، دخول معترك ميادين جديدة من الأنشطة، فان الأمر يقتضي تقوية السلطة التنظيمية المحلية. والدفع بالسلطات الوطنية و المحلية الى الاهتمام بوظيفة التنظيم، و استيعاب الحجم الحقيقي لهذه السلطة المعيارية المحلية التي أقرها الدستور ، ومكن من العمل على توطيد مداها تدريجيا كلما قامت الدولة ، بناء على مبدأ التفريع ، بمنح الجماعات الترابية اختصاصات اضافية طبقا للفقرة الاولى من الفصل 140 من الدستور التي تنص على أن : “الجماعات الترابية تمارس بجانب الاختصاصات الذاتية ؛ اختصاصات مشتركة مع الدولة ، واختصاصات منقولة اليها من هذه الاخيرة” .[4]
ذلك ان الاستقلال المالي للجهة ، يتطلب من أجل تثبيت الاختصاصات الموكولة لها ، ضرورة تفعيل التنصيص على أن نقل الاختصاصات يجب أن يكون مقرونا بنقل الموارد المالية المطابقة لها . فالاستقلالية المالية بمثابة حجر الزاوية في ترسيخ مبدأ التدبير الحر .حيث انه بدون موارد مالية ذاتية و كافية تتحكم فيها الجهات لن تستطيع ممارسة اختصاصاتها ولا يمكنها من الاستفادة من الصلاحيات الواسعة المخولة لها [5]
فالجهوية لايمكن اختزالها في تغيير الهياكل الادارية للدولة فحسب ، بل تعني تقييد الدولة المركزية واعطاء استقلالية أكبر للجماعات بما فيها الجهات ، واعادة توزيع السلطة و الثروة ، ونهج سياسة القرب في تسيير الشأن المحلي . فالجهة تعتبر المستوى الملاءم لمشروع التنمية الترابية باعتبارها فضاء انتقاليا بين المنظور الوطني وبين الطموحات المحلية . ووسيلة ايضا لتحقيق التكامل بين السياسات الوطنية والبرامج المحلية. انها شكل من أشكال المصالحة مع المجال واقامة نوع من التوازن بين المغرب النافع والمغرب غير النافع لتعميم التنمية والتوزيع العادل للثروات .[6]
وبخصوص اختصاصات الجهة ، لابد من الاشارة ، الى ان النظام الجهوي في إطار القانون السابق المنظم لاختصاصات الجهات 96/47، لم يكن سيئا ، بل كان في حاجة الى ارادة للتغلب على الصعوبات ، التي يصطدم بها تفعيل مقتضيات هذا القانون ، والمتمثلة أساسا في بعض المعوقات البنيوية و الوظيفية والمترتبة عن شح الامكانات و الموارد المتوفرة للجهة . خاصة ان هناك خطوات مهمة تم تحقيقها على صعيد المساهمة في تأهيل البنى التحتية ، وكون الجهة تشكل منبرا وفضاء للتشاور ، و مدرسة للتكوين و التأطير .
الأمر الذي يشكل ارضية مهمة لتأهيل الجهة ،التي يجب أن تتوفر لها المؤهلات البشرية اللازمة والإمكانيات المادية الضرورية ، حتى تتمكن من اداء مهامها في ظروف تضمن الفعالية لمؤسسة الجهة باعتبارها تشكل قاطرة للتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية ، و الداعم الرئيسي للقوة المؤسساتية للدولة .
على هذا الأساس، وبناء على ما جاء ، في نص الفصل 140 من الدستور الجديد، المتعلق بمبدأ التفريع، تم تمكين الجهة من اختصاصات ذاتية ، و اختصاصات مشتركة مع الدولة ، واختصاصات منقولة إليها من هذه الاخيرة . ذلك أن التفريع بمثابة آلية تمكن من اسناد الاختصاص لمستوى من مستويات الجماعات الترابية الاكثر قربا و فعالية من أجل ممارسة أفضل و أكثر عقلنة و ترشيدا سواء من حيث الاقتصاد في النفقات او السرعة في الانجاز او الجودة في الخدمات .
وتهم الاختصاصات الخاصة بالجهة أساسا النهوض بالتنمية المندمجة و المستدامة من خلال تنظيمها و تنسيقها و تتبعها بالعمل على تحسين جاذبية المجال الترابي للجهة وتقوية تنافسية الاقتصاد الجهوي ، كما يستفاد من مقتضيات المادة السادسة من القانون التنظيمي الجديد للجهة رقم 14/111 .
لهذه الغاية تمارس الجهة اختصاصات ذاتية ومشتركة ومنقولة بناء على مقتضيات القسم الثاني، الذي يتضمن على التوالي : الباب الاول والثاني والثالث والرابع من القانون التنظيمي الجديد المنظم لاختصاصات للجهات رقم 14.111 :
وتشمل الاختصاصات الذاتية، التخطيط و التنمية الجهوية قصد منح الجهات صلاحيات المساهمة الفعلية في وضع البرامج التنموية على مستوى التراب الجهوي وإنعاش الأنشطة الاقتصادية. والنهوض بقطاع التكوين المهني لاهميته البالغة في تأهيل النسيج المجتمعي . وكذا تنظيم النقل، و بناء وتحسين و صيانة الطرق القروية في اطار تطوير و بلورة مخططات التنمية الحضرية و القروية .
و الاسهام في المحافظة على المواقع الاثرية و الترويج لها، قصد الحفاظ على الخصوصية المحلية للجهة، ودعم الموروث الثقافي للمنطقة .
كما يمكن للجهة ابرام اتفاقيات مع فاعلين من خارج المملكة في اطار التعاون الدولي ، وكذا الحصول على تمويلات في نفس الاطار بعد موافقة السلطات العمومية طبقا للقوانين و الأنظمة الجاري بها العمل . وغير ذلك من الاختصاصات المنصوص عليها في القانون .
أما عن الاختصاصات المشتركة ، الواردة في نفس القانون التنظيمي الجديد ، فتمارس الجهة اختصاصات تشاركية بينها و بين الدولة تتعلق بالتنمية الاقتصادية و الاجتماعية و البيئية و الثقافية . اذ تتم ممارسة هذه الاختصاصات بمبادرة من الدولة او بطلب من مؤسسة الجهة. كما تحدد بقانون كيفيات التعاقد بين الدولة و الجهة لممارسة الاختصاصات المشتركة.
و اختصاصات أخرى منقولة ، تحدد بناء على مبدأ التفريع كما ورد في الدستور ، وتشمل مجالات متعددة كالصناعة والصحة والتعليم و الثقافة ، حيث يعتبر كل مجال للاختصاص ( الماء ، الطاقة ، النقل …) قابلا لأن تتقاسمه الدولة و الجماعات الترابية عملا بمبدأ التفريع . كما أن توزيع الاختصاصات يمكن أن يقوم على مبدأ القرب أو الحوار ، كما تمت الاشارة لذلك .
وتبقى العناصر الأساسية للتعامل مع مسألة الاختصاصات الجديدة للجهات في ظل الدستور الجديد ، كما يلي :
ــ التحديد الواضح للوظائف و المهام لتجنب التداخل و التنازع و توزيع المسؤوليات ، وتحديد دائرة اختصاص كل من الدولة ، الجهة و الجماعات الاخرى .
ــ إحداث أجهزة للتنسيق و التشاور من أجل توحيد الرؤى التنموية و تحقيق التكامل و الانسجام في الأدوار و الأهداف ، من أجل تفادي برمجة مشاريع و تمويلات مزدوجة و متكررة نتيجة لتعدد الأجهزة و السلطات المتدخلة على المستوى الجهوي .
ــ توزيع الاختصاصات و السلطات خاصة على مستوى القرار الاقتصادي. و التعامل مع هذا التوزيع بطريقة تكاملية و منسجمة . في هذا السياق ، يجب أن تسطر الاختصاصات الجديدة للجهة في اطار رسم صورة لجماعة موجهة نحو المستقبل ، توكل لها مهمة التوقع و البرمجة و التخطيط .[7]
ــ يراعى، كما ورد في القانون التنظيمي الجديد للجهة ، مبدأ التدرج و التمايز بين الجهات عند نقل الاختصاصات ، كما يمكن نقل الاختصاصات على سبيل التجربة لمدة محددة .
ويمكن تحويل الاختصاصات المنقولة الى اختصاصات ذاتية للجهة، او للجهات المعنية بموجب قانون تنظيمي . كما يمكن ،” بل يتعين ايضا ، وطبقا للفقرة الثانية من الفصل 141 من الدستور ، عند نقل كل اختصاص من الدولة الى الجهة ، تحويل الموارد اللازمة التي تمكنها من ممارسة الاختصاص المذكور” . هذه الفقرة الاخيرة وردت في المادة السادسة من القانون 14/111 .
[1] – حجيبة زيتوني: الجهة و الإصلاح الجهوي بالمغرب . السلسلة المغربية لبحوث الادارة و الاقتصاد و المال . طوب بريس ، الرباط، الطبعة الأولى، السنة 2011 ص 142 و ص 230.
1– عبد الخالق علاوي : مبدأ التدبير الحر للجماعات الترابية وإعداد التراب في ضوء دستور 2011 . مداخلة في اليوم الدراسي المنظم من طرف الكلية المتعددة التخصصات بالناظور حول ” الجهوية المتقدمة ورهان تنافسية الجهات بالمغرب ” بتاريخ 30 ماي 2013 . منشورات المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية . عدد 115 مارس ابريل 2014 .
[3] – محمد اليعقوبي : السلطة التنظيمية المحلية بالمغرب : الفقرة الثانية من الفصل 140 من الدستور . منشورات المجلة المغربية للادارة المحلية و التنمية . طبع بمساهمة مؤسسة هانس سايدل الألمانية ، العدد 104 لشهري ماي و يونيو 2012 ص23 .
نفس المرجع السابق ، ص 24[4]
[5] محمد بوجيدة : اختصاصات الجهة كجماعة ترابية على ضوء الدستور المغربي لسنة 2011 . محاضرة ألقيت في أشغال الأيام المغاربية التاسعة للقانون ، المنظمة من طرف شبكة الحقوقيين المغاربيين ، تحت عنوان : ” الجهوية في الدول المغاربية أية افاق ” . بشراكة مع كلية العلوم القانونية والاقتصادية و الاجتماعية باكادير ، وبتعاون مع مؤسسة ” هانس سايدل الالمانية أيام 26و27 ابريل 2013 . ص 113 .
3 ذة. منية بلمليح :الجهوية المتقدمة ورهان التنمية بالمغرب . عدد خاص حول “الجهوية الموسعة ونظام الحكم الذاتي” . عدد خاص 71 ، منشورات المجلة المغربية للادارة المحلية والتنمية . طبع مؤسسة مانس سايدل الألمانية .الطبعة الاولى2011 صص 49و50[6]
[7] – حجيبة زيتوني ، مرجع سابق . ص
الخــاتمــــــة :
من أجل بناء رؤية تؤسس لتصور جهوي تنموي فعلي ووازن، لابد من ارساء توجه يكرس التنزيل السليم للمشروع الجهوي على ارض الواقع ، و مواجهة التحديات الكبرى المطروحة ، والتي يمكن اجمالها في ضرورة اعتماد المداخل الاساسية التالية :
– انه لابد لانجاح السياسات الجهوية، وتدعيم مبدأ حسن تدبير الخصوصية ، من اعتماد سياسة القرب لكل النخب كل حسب الجهة التي ينتمي اليها . ذلك أن ابعاد هذه النخب عن محيطها هو بمثابة تعطيل فعلي و عملي لدورها في العطاء و الانتاج .
– كما أنه من المداخل المهمة أيضا أن تؤسس الدولة لثقافة جديدة تعتمد على ضرورة البحث عن السبل الكفيلة ببناء اسس الثقة الحقة بينها و بين النخب على مستوى الجهات لبناء ورش جهوي يستجيب للتطلعات و الرهانات ، عبر بناء رؤية جهوية لتنمية التراب الوطني بما يقتضيه ذلك من اعادة الاعتبار لسياسة اعداد التراب الوطني .
– من القضايا المهمة التي يجب ايلاءها نصيبا من الاهتمام ، مسألة اللاتركيز باعتبارها ضمانة أساسية لانجاح المشروع الجهوي، الذي يظل الفضاء الأمثل لبلورة الاصلاحات و تقييم السياسات ، لذلك لابد من العمل الجاد لاخراج ميثاق للاتركيز يستجيب للتطلعات و التحديات الموجودة ، حتى يواكب و يجاري الصلاحيات و المهام الواسعة التي تؤطر اختصاصات الجهة . وهنا لابد أن تمنح الاختصاصات الضرورية للمصالح الخارجية ، و أن يكون لها هامش من الفعل يمكنها عند الضرورة من التصرف وفق حسن تقديرها لسير الأمور ، فاذا لم تمنح المرونة اللازمة للتحرك عند الحاجة ، فان ذلك سيكبل حرية الفعل والحركة لديها ، وسيجعلها غير قادرة على مواكبة مسار الاصلاح الجهوي الذي نطمح اليه ، بغية خلق تناغم و انسجام وظيفي بين كل المؤسسات سواء المركزية او المنتخبة من أجل استكمال البناء الديمقراطي في البلاد .
الدكتور الطالب بويا ماءالعينين
عضو مركز مدى للدراسات بالدارالبيضاء
