آليات التكريس الدستوري للجهوية المتقدمة نحو تنظيم لامركزي مؤسساتي فاعل ( الجزء الثاني )

 

الدكتور الطالب بويا ماء العينين


المحور الأول : المرتكزات و المحددات الدستورية المؤسسة للجهوية المتقدمة

من المميزات المحمودة للتنظيم الترابي الجديد ، أن التقطيع الجديد لجهات المملكة يجعل منها وحدات وظيفية و مؤسساتية مكرسة للتنمية، و الديمقراطية، والتوزيع المنصف للصلاحيات بين الدولة و الجهات ، والتنصيص على المبادئ الموجهة للجهوية المغربية ، و المتمثلة أساسا في :

ــ    الوحدة الوطنية والترابية ، باعتبارها من المرتكزات الأساسية التي يتوجب الحفاظ عليها وتأمينها لتستفيد منها الأجيال الحالية و المستقبلية ، حتى يمكن تسليمها البلاد وهي تنعم بالوحدة و الأمن والاستقرار من أجل مواصلة البناء و التشييد .  فالوطن ، كما هو أمانة ، هو أيضا ركيزة للتعايش والاستقرار، و ضمان للمستقبل . مما يفرض الحفاظ عليه مهما كانت التضحيات و الظروف من أجل وطن يتسع للجميع وينبذ الفرقة و ينتصر للوحدة . 

ــ    التوازن : إن مشروع التقطيع الجهوي يعتمد ، كما هو الحال لكل الدول ، على نظريات علمية لانجاز تقطيع يمتاز ، إلى حد ما ، بالتوازن العام . اذ تعتبر هذه المسألة من أهم الثوابت الترابية ، بحيث تجعل الجهة الكبرى سكانيا و اقتصاديا ، تساعد و تساهم في تنمية الجهات الصغيرة و الفقيرة .[1]

ــ    التضامن : ويتم اعتماده لمواجهة حدة الفوارق بين الجهات ، حيث يشكل تجسيدا لإعداد التراب من اجل ضمان الحد الادنى من الولوج الى المرافق العمومية لكل المواطنين

ــ    التكامل : الذي يتأسس على ضرورة أن يكون هناك تكامل في الادوار بين الدولة و الجهات و العمالات و الأقاليم و الجماعات ، بحيث يجب ان تكون مكملة لبعضها البعض . من أجل خلق الشروط الموضوعية لتدبير ديمقراطي نزيه و شفاف” بغية توطيد وتقوية مؤسسات الدولة الحديثة التي ترتكز على المشاركة و التعددية والحكامة الجيدة”[2] .

هذه  المرتكزات بمثابة محددات ، نحو تكريس أسس دستورية قوية لاعادة تشكيل النظام الترابي في اتجاه :

ــ   تخويل أوسع للصلاحيات من المركز الى الجهات

ــ    خلق أشكال جديدة من الشراكة من خلال اللجوء الى الية التعاقد بين الدولة و الجهات وبين الجماعات الترابية الاخرى .

ــ    تنمية لاتمركز الدولة المركزية، مع ما يقتضيه ذلك من وجوب إخراج الميثاق الوطني لللاتركيز الاداري  الى الوجود في أسرع الآجال ، ذلك أن هذا الميثاق ستكون له اهمية كبرى في مجال ابراز دور المصالح الادارية الجهوية ، و وكذا الدور المهم الموكل لمؤسسة الوالي فيما يخص التنسيق و التنشيط والاشراف على المصالح اللاممركزة وتدعيم علاقات الشراكة بين الدولة والجماعات المحلية وفي مختلف المجالات  .

ــ    إحداث صناديق للتضامن و التأهيل

ــ   ربط المسؤولية بالمحاسبة، و العمل على تقوية اليات تخليق الحياة العامة و الحكامة الجيدة

ــ   تعزيز مشاركة المرأة في تدبير  الشأن الجهوي

هذه الأسس الدستورية ،لإقرار جهوية بخصوصياتها المغربية ، تتطلب لتكريسها ضرورة استمرار  الإدارة المركزية ، خلال هذه المرحلة الانتقالية ،  في تأدية دور المتابع والضامن والحارس الامين لتأهيل الجهات تدريجيا ، من خلال القيام بمهام التوجيه و التصور و التنشيط و المواكبة والمساعدة و التقييم و المراقبة في اتجاه تفويض موسع و بالتدريج للمهام الإجرائية و التدبيرية .

فالدستور الجديد مكن الجهة من تدبير مجالها بشكل فعال و لاممركز عكس ما كان في السابق . ولتحقيق هذه الغاية جاء دستور 2011 ليحدث صندوق التأهيل الاجتماعي لفائدة الجهات لسد العجز الحاصل في مجالات التنمية البشرية و البنيات التحتية الأساسية والتجهيزات ، طبقا لمقتضيات الفقرة الاولى من الفصل 142 من الدستور .

وبالنظر الى ما كان عليه الحال في السابق من خلال  رصد واقع تمويل  الجهة في ظل القانون رقم 96/47 والنصوص المرتبطة به ، والتي  أظهرت ، مدى محدودية الإمكانات المالية للجهة سواء على مستوى الموارد الضريبية ، و الرسوم على رخص الصيد والضرائب الناتجة عن استخراج المعادن . أو على مستوى عدم  تفعيل صندوق الموازنة المشار اليه في المادة 66 من القانون السابق المنظم للجهات ، المشار اليه سابقا . وعدم الدعوة الى  مراجعة نظام الصرف العمومي لتسريع الانجازات المرتبطة باختصاصات المجالس الجهوية [3]. وكذا ما يتعلق بمحدودية نظام تمويل الجهات التي تتم عبر سياسة الاقتراض ، بالاعتماد على وجود جهة وحيدة مقرضة هي صندوق التجهيز الجماعي .

هذه العوامل مجتمعة فرضت وجوب العمل على ضرورة رفع الحصص المرصودة من الضريبة في اطارالقانون الجديد ، لتمكين الجهات من موارد مالية تتمثل بالخصوص في نسب لا تقل عن :

5% من حصيلة الضريبة على الشركات .

 5% في المائة من حصيلة الضريبة على الدخل .

4% في المائة من حصيلة الضريبة على القيمة المضافة .

وطبعا لجوء الدولة من اجل دعم الموارد المالية للجهة الى العمل على اقتسام حصيلة الضريبة على عقود التأمين وحصيلة واجبات التسجيل و التنبر، وحصيلة الضريبة الخصوصية السنوية على السيارات ، مع مجالس الجهات .[4]

في هذا الاطار تم تدعيم هذه الخيارات ، كما ذكرنا ، بإحداث  صندوق التضامن بين الجهات وفقا للفقرة الثانية من الفصل 142 من الدستور، بغية  التأسيس لتوزيع عادل و متكافئ للموارد والثروات للحد من التفاوتات بين جهات المملكة عملا وتكريسا لمرتكز التعاضد و التضامن بين الجماعات الترابية للمملكة، في إطار تنظيم ترابي لامركزي يقوم على الجهوية المتقدمة[5] كخيار استراتيجي مغربي-مغربي ، وفقا لمبادئ الحكامة الجيدة و ربط المسؤولية بالمحاسبة .

هذا التكريس الدستوري للجهوية المتقدمة غايته تمكين المغرب من محاولة خلق نقلة نوعية نحو منظومة متكاملة للحكامة الترابية . أساسها العمل على تعميق الممارسة الديمقراطية المحلية و الاهتمام بالتنمية الجهوية المندمجة و المستدامة . نظرا للمكانة التي ستصبح للجهة كشريك أساسي للدولة في قضايا التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و البيئية.

فإذا كانت الجهة فعلا هي الفضاء الأمثل لتحقيق التنمية المجالية ، فان سياسات اعداد التراب بمثابة عملية تقنية وإدارية تسعى إلى تحقيق تنمية متناسقة و متوازنة بين جميع الجهات ، عن طريق توزيع عادل للثروات و الانشطة المختلفة .

 وتكمن اهمية اعداد التراب، في كونه يعطي امكانية تدخل الفاعلين المعنيين من دولة و جماعات و مؤسسات ، لهيكلة المجال و اعادة التوازن بين مناطقه ، و حماية ثرواته . فالعلاقة بين التنمية و اعداد التراب غايتها النهوض بالجهة و تخويلها الاختصاصات و الموارد الكافية ، وتقوية نظام اللا تمركز لتحقيق الاهداف التنموية المنشودة .[6]


[1] –  في هذا الاطار اشتغلت اللجنة الاستشارية للجهوية على هذا العنصر ، وذلك ليتم نوع من التوازن و التوافق الترابي بين الجهات ، وحتى لاتصبح الجهات التي تمتاز بهيمنة و دينامية الحواضر الكبرى ، نموذج الحواضر الساحلية : الدار البيضاء ، الرباط سلا ، تهيمن و بشكل قوي على الجهات الاخرى و على المجالات الوطنية ؛ بحيث نجد أن هذه المدن ـ العواصم تميل داءما الى تركيز الموارد و الخدمات و الاعمال من أعلى مستوى . لذلك لامناص من جهوية مناطقية  تأخذ بعين الاعتبار هذا المعطى الحتمي لاقامة تفاعل اجابي لا ينحصر في المدارات الكبرى .  للاستزادة انظر مؤلف د علي بولربح : ” الجهوية و التنظيم الترابي نحو جهوية متقدمة بالمغرب “. من تقديم د عبد السلام بوغابة ، مطبعة الطوبريس للطباعة و النشر، الدارالبيضاء، الطبعة الاولى 2012  . ص 124

[2] – فقرة مأخوذة من تصدير الدستور المغربي الجديد 2011

[3]  – نص المذكرة التي رفعها السيد امحمد الدويري بصفته رئيسا لجمعية الجهات المغربية الى السيد وزير الداخلية خلال  الاجتماع المنعقد بمقر وزارة الداخلية يوم 19 نونبر 2007 . حول الاصلاحات المقترحة بخصوص الجهة بالمغرب وتفعيل الصلاحيات و السلطات المخولة للجهة .  انظر النشرة الجهوية فاس بولمان  ، وهي دورية اخبارية يصدرها مجلس جهة فاس بولمان كل شهر : يناير و مايو و شتنبر . عدد 12 يناير 2008 ص 21 .

[4] – انظر القانون التنظيمي الجديد المنظم لاختصاصات الجهات 14.111 .  

– الفصل الاول من الباب الاول المتعلق بالاحكام العامة للدستور الجديد للمملكة المغريبة. [5].

 زكرياء الكداني ، الجهوية و افاق التنمية . مجلة مسالك عدد خاص ، حول ” الجهوية بالمغرب : المسار الرهانات و – – الافاق ” ، مطبعة النجاح الجديدة  الدار البيضاء ، عدد مزدوج 17/18/2011 . ص36. [6]

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد