الدكتور الطالب بويا ماء العينين
تسعى استراتيجية الدولة في إطار مقاربتها للخيار الجهوي، إلى بناء دولة الجهات ، دون الوصول إلى الفدرالية التي تقوم على اساس نظام حكم ذي مستويين في ذات الان الاستقلال الذاتي و الاتحاد، تثبيتا لمبدأ الوحدة غير غير القابلة للتجزئة . بغية تمكين المغرب من جهوية متقدمة غايتها إيجاد نظام أكثر تقدما للجهوية ، من القانون التنظيمي 96/47 المنظم لاختصاصات الجهات، والذي كانت الغاية منه ابراز الخصوصية الاقتصادية للجهات المغربية.
غير أن التحولات المتسارعة وما يرتبط بها من اختلالات اجتماعية و اقتصادية و ما يواكب ذلك من متغيرات سياسية و تحديات كبرى، مهدت الطريق نحو تأسيس نظريات وتصورات ترابية جديدة[1]، ستجد طريقها الى التنزيل ، عبر القانون الجديد المنظم لاختصاصات الجهات رقم 14/111.
هذه الاستراتيجية نحو الاصلاح تنطلق مما هو موجود من قوانين سابقة ، مع ضرورة العمل على توسيع اختصاصات الجهات بشكل يمكنها من صلاحيات تدبير شؤونها من خلال تخويل المنتخبين الاختصاصات التقريرية و التنفيذية. والتركيز على ضرورة تعزيز الاستقلالية المالية و التدبيرية للجهات ، وإعادة ترتيب العلاقات بالسلطات
[1]– حيث تمكنت اللجنة الاستشارية للجهوية من تقديم تصورات جديدة للخريطة الجهوية للمغرب ، اذ تقترح في هذا الصدد اثنتي 12 جهة عوض 16 المعتمدة في تقسيم 1997 , و بالتالي جعل النموذج الجهوي الجديد بمميزات يمكن اجمالها بايواء عدد أكبر من السكان ، مع تغطية قسط اوفر من التراب . عودة الى مرجع ، د علي بولربح : الجهوية و التنظيم الترابي نحو جهوية متقدمة بالمغرب ، مطبعة الطوبريس للطباعة و النشر ، الدارالبيضاء ، الطبعة الاولى مارس 2012 . الفصل الثاني ابتداء من الصفح111
المركزية، دعما للمكتسبات وتعزيزا للعمل على التقليص من سلطات الوصاية في اتجاه تقوية المراقبة القضائية .
والعمل على تكريس الورش الجهوي كمبدأ دستوري يمكن من اختصاصات كانت تعود في الأصل للإدارة الممركزة ، مما يستدعي التأكيد أننا لسنا بصدد جهوية سياسية موسعة ببرلمان جهوي، وسلطة قضائية جهوية، وحكومة جهوية[1] ، بل نحن هنا بصدد جهوية ادارية تمنح للجهة صلاحيات واسعة تستجيب لتطلعات الساكنة .
هذا المنظور، يندرج ضمن سياسات الدولة المنادية بضرورة اعتماد نظام لامركزي واسع ذي جوهر ديمقراطي في خدمة التنمية المندمجة ، البشرية و المستدامة ، وذلك في نطاق وحدة الدولة والوطن والتراب ، ومبادئ التوازن والتضامن الوطني والجهوي[2] . على غرار بعض التجارب الناجحة في مجال إعداد سياسات جهوية فاعلة كان لها الاثر البالغ في اكتمال الشروط الموضوعية للتغيير ، والتأسيس لتحول دمقراطي سلس . كما هو الحال في اسبانيا و البرتغال وبعض دول أمريكا الجنوبية ، بفضل الوعي الحاصل لدى النخب، حين اقتنعت هذه الاخيرة ، بضرورة وأهمية حصول التغيير . خاصة ان جل الضمانات السياسية المطلوبة و اللازمة تم الاخذ بها من أجل إنضاج التجربة و انجاحها ، ومن ابرز مظاهرها احترام نتائج الصندوق الانتخابي و الاحتكام الى القانون و القضاء النزيه .
فما هي ، اذن ، الآليات القمينة بإنضاج تصور جهوي يؤسس لاديمقراطي فعلية للتدبير المؤسساتي الجهوي في أفق خلق شروط تمكين ذاتي حقيقي؟ . ثم ما مدى توظيف المحددات الدستورية للجهوية المتقدمة في خدمة التنظيم اللامركزي من خلال الاختصاصات التي يمنحها القانون التنظيمي للجهات ؟.
على ضوء هذه التساؤلات ، وحتى يمكن دمقرطة التدبير الجهوي ، وتمكينه من اليات التدبير الذاتي السليم المبني على المرتكزات و الاسس الدستورية المحددة لمعالم جهوية متقدمة ( المحور الاول ) . فانه لابد من العمل على بناء نظام لامركزي فعلي يتمتع بالاختصاصات الدستورية الضرورية ، والصلاحيات التدبيرية و التنفيذية المعززة بمقتضيات القانون التنظيمي الجديد المنظم لاختصاصات الجهات رقم 14/111 (المحور الثاني).
1– كما هو الحال بالنسبة لنموذج نظام الحكم الذاتي الوارد في نص المبادرة المغربية للتفاوض بشأن منح حكم ذاتي لمنطقة الصحراء الغربية التي تقدم بها المغرب الى الامم المتحدة في ابريل 2007 . حيث تتحدث المادة 12 في الفقرة المتعلقة بالاختصاصات عن ممارسة سكان جهة الحكم الذاتي للصحراء ، للاختصاصات داخل الحدود الترابية للجهة ومن خلال هيئات تنفيذية و تشريعية و قضائية ، ووفق المبادئ و القواعد الديمقراطية ، و لا سيما في الميادين التالية : الادارة المحلية و التنمية الاقتصادية و التخطيط الجهوي و تشجيع الاستثمارات و النهوض بالتربية و الصحة و التشغيل و بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني .
[2]– الدستور المغربي الجديد
تابـــع الجزء الثاني

