بقلم :ذ. رضوان الزروالي
حين يتم الحديث اليوم عن الرواية في الصحراء أو الرواية الصحراوية فإن الأمر يتعلق لا محالة بموضوع خصب وجديد لم تسبق مقاربته من قبل في ظل مجتمع الرحل “أبناء الغيوم ” اللذين لن يستقروا و يتمركزوا في المداشر منتقلين تدريجيا إلى الحياة المدنية حتى حدود العقود الأخيرة من القرن الماضي إبان النصف الثاني من التواجد الإستعماري الإسباني بمنطقة الساقية الحمراء و وادي الذهب . واقع حرم أهل الصحراء من الاستفادة من نعم المدنية والإستقراروالولوج إلى الجامعات مبكرا كما كان عليه الأمر خلال القرون XIII , XIV , XV. بمناطق أخرى مجاورة بشمال إفريقيا ( جامعة القرويين و جامعة الزيتونة نموذجا).
أمر ربما قد يسمح لنا بتبريرإستحالة الحديث عن وجود نخبة مثقفة من أبناء المنطقة قادرة على إنتاج أعمال أدبية تؤرخ وتدرس وتتفاعل مع قضايا المجموعة البشرية المنتمية إليها .
والجدير بالذكرأن مدن الساقية الحمراء و وادي الذهب ورغم التزايد السكاني والتوسع العمراني الذي شهدته خلال الأربعين سنة الماضية لا تزال تفتقد الى بنية ثقافية حقيقة من مسارح وسينما هادفة وجامعات ، فراغ حتم على الميسورين والمحظوظين من أبناء المنطقة السفر والإنتقال إلى مدن الشمال أو سبانيا أو أمريكيا اللاتينية لمواصلة دراستهم العليا وهوما قد يبرر تأخر بروز أسماء روائية صحراوية لامعة حتى حدود السنوات الأخيرة .
قبل الحديث عن موضوع الرواية الصحراوية وجب توضيح أمور عدة.. لعل أبرزها أن الرواية ، كجنس أدبي معاصر ظهر مع برجوازية القرن XIX في أوروبا ، لم تظهر هكذا صدفة أو لم تنطلق من فراغ كما قد يخيل للبعض ، ذلك أن الأوروبين قبل الرواية عرفوا الملحمة “La epopeya “وقصائد الفروسية والبطولة والشعر الحماسي “La epica”والحكايات الشعبية والعجيبة والشعر .
فالرواية إذن ظهرت كجنس أدبي جديد محتضن وشامل لكل ماسبق مع قدرته على إستيعاب حاجيات مجتمع أوروبي صناعي حضاري ثوري متطور في تغير ونمو مضطردين ،إجتماعيا وثقافيا وإقتصاديا ،جنس أدبي مكن الأديب من التعبير عن ذاته من خلال مجتمعه والتعبير عن مجتمعه من خلال ذاته وذوات المحيطين به والبوح بمكنوناته والتصريح بالآهات وكشف الطابوهات والمسكوت عنه ورصد المتغيرات والتأريخ للأحداث ومزج الواقع بالخيال في أسلوب سردي مشوق يشدك إليه ، يتلاعب من خلاله الراوي أو السارد في الزمن بكل اريحية فيوقفه تارة لفتح المجال للوصف ، ثم يعيده القهقرى لإسترجاع ذكريات طفولة مقهورة ،أوزمن جميل..ثم يرمي به إلى الأمام مشتشرفا للمستقبل وراصدا للآمال والتطلعات.. وكأن لسان حاله يقول ” أجمل الأيام هي تلك التي تنتظرنا “.. زمن يمطط فيه الراوي بحرية كما يشاء ساعة يشاء وقت مايشاء في 200 صفحة و حتى 400 و500 صفحة،وهو ما لم يكن متاحا معبقية الأجناس الأدبية السابقة..
أمرلم يختلف معه كثيرا المجري المعروف جورج لوكاش George luckas في كتابه” نظرية الرواية”، إذ يرى لوكاش أن الرواية لاتختلف كثيرا عن الملحمة بقدر ما أنهما يصبان في نفس المنحي ولايمكن التمييز بينهما إلا من خلال معطيات تاريخية وفلسفية بسيطة ، فالرواية هي ملحمة عصرها وملحمة الفترة التاريخية التي كتبت فيها ،إنها ببساطة ملحمة تبحث عن شمولية الحياة بأدق تفاصيلها .
وعلاوة على ماسبق وجبت الإشارة أيضا إلى أن هذا النوع أو الجنس الأدبي المسمى “رواية “برع إلى حد كبير في رصد وإعادة بناء وتركيب الحياة البشرية بجمالية منقطعة النظير والفضل في ذلك يرجع الى خصائصها الفريدة المميزة لها عن بقية الأجناس الأدبية.
ا – كثرة الوصف
ب- الحبكة أكثر تعقيدا مقارنة مع الحكاية
ج-الإستعانة المكثفة بالحوارات و التي يمكن أن تكون اكثر درامية
د- تعدد وكثرة الشخصيات ،شخصيات عادة مايبرز منها البطل أو الشخصية الرئيسة التي تهيمن على الاحداث .
ه- الإمتداد أو الطول من( 60.000 الى 200.000 ) كلمة أو من 300 صفحة إلى 1300 صفحة أو أكثر ،ميزة تشكل وجها بارزا من أوجه الاختلاف مع الحكاية .
و- الواقعية .
ز- النثر .(مع وجود إستثناءات قليلة )
أما فيما يتعلق ببنيتها فجدير ذكره أن الرواية مثل أي عمل أدبي آخر يقوم على السرد تبدأ بالتقديم لتليه العقدة أو الحبكة ثم في الاخير el desenlace”” الحل والنهاية .
بنية تصاعدية ذات أحداث متسارعة عادة ماتتطور بالتوازي مع العناصر الأساسية للحكي أو السرد وهي الزمكان والشخصيات .
إذن ، وبعد هذا التقديم البسيط و الموجز عن الرواية وأسباب تأخر ظهورها في المناطق الصحراوية لايسعنا إلا أن نتحدث عن واحدة من التجارب القليلة والنادرة في هذا المجال كنموذج والحديث هنا عن رواية “بقايا حلم عزة ” ، رواية لم يمضي على ظهورها عام حتى أثارت الكثير من النقاش داخل الأوساط والبيوت الصحراوية فأبكت البعض ، وأسعدت البعض الآخر ، ونجحت الى حد كبير في مخاطبة المشاعر والأحاسيس الجمعية .
صاحب العمل، “يحظيه بوهدا” يفاجئنا بأسلوبه الأنيق والمسترسل ، العذب الشيق البسيط والجميل في آن واحد أسلوب يخاطب الجميع ، وينفذ إلى قلوب ووجدان كافة الشرائح الإجتماعية بمختلف مرجعياتها وإختلاف مشاربها و مستوياتها ، ليجد كل ذاته بالرواية مع أفضلية طبعا للنخبة أو تلك الفئة القليلة من القراء والمتلقين المسلحة بمعدات معرفية قد تمكنها من تفكيك شفرات الرموز وتذوق حلاوة الإيحاءات والصور الجمالية الجميلة قصد الوصول إلى المصرح به والمسكوت عنه والموحى إليه
أسلوب يأسرك منذ بدء الكلمات ، بل منذ الصفحات الأولى ،يسلبك حريتك ويعتقلك في سجن كبير من الأحداث الخطية المتسارعة والمتطورة والمشوقة ، أسلوب يرجع بك لتعيش فترة زمن مضى ربما لم تسمع عنه إلا النزر القليل من الآباء والأجداد ، فلا يدعك إلا وقد أكملت قراءة الرواية وأشفيت غليلك بمعرفة نهاية الأحداث التي لا تكاد تنتهي ..
هنا يكون كاتب الرواية بعد أن أسرك وسلبك حريتك وفرض عليك ممارسة فعل القراءة الذي ربما لم تعتده من قبل ،حملك مسؤوليات جسام لم تكن لتخطر لك على بال عزيزي القارئ ، فبعد أن وعيت بالأحداث وجب عليك المشاركة فيها بتصور وتخيل نهايتها المفتوحة .
في البدء كان الغلاف “La portada”الذي يستقبلك بألوانه القليلة المعبرة ، غلاف زادته بساطته أناقة وراحة لعين الناظر .
في هاته العتبة يهيمن البني والبني الفاتح ، ألوان الأرض والتلال وحبات الرمال والكثبان ، التي قد تكون مجالا وفضاء لأحداث الرواية .
العنوان من ثلاث كلمات كتبت بالأحمر، لون الدم والتضحية “بقايا حلم عزة “، إحمر هذا العنوان إلى درجة الخجل ، يريد أن يصرح بشيء لكنه لا يجرأ فصمت دون معرفة السبب، أهو الخجل ؟ أم الحياء؟ أم هي الظروف …؟ المهم أن هاته العتبة على الأقل تجيب على بعض تساؤلات وفضول القارئ من خلال التصريح بأن الرواية تتحدث عن حلم لعزة ،لتبقى بقية علامات الإستفهامات واردة ومشروعة .
ماهو حلم عزة ياترى ؟
وهل يتألف هذا الحلم الكبير الضخم الذي خصصت له الرواية بكاملها من أحلام هامشية صغيرة ؟
هل تحقق الحلم بأكمله ؟
أم بعضه ؟
أم أن الحلم قد تأجل ؟..
من تكون هذه العزة؟ إذا ماعرفنا أنه إسم علم انثى في مجتمع البيضان يدل على الحب والمعزة .
هل عزة التي يتحدث عنها كاتبنا طفلة أم فتاة أم إمرأة أم أم أم جدة ، أم أرض أم وطن أم كل هذه المسميات مجتمعة …؟؟؟..
في وسط الغلاف، تستوقفنا لوحة رسمت بالسواد والبياض، ألوان حاضرة دوما في خيمة وملبس وأفراح مجتمع البيظان مع ما ترمز إليه من صراع أزلي بين الشر والخير.
لوحة تتفاعل داخلها ألوان غامضة مع هيمنة الأسود الذي قد يوحي بالدوران في دوامة لامتناهية من الكآبة والحسرة والحزن والهم والألم ، وداخل هذه الدوامة بيرز الأبيض جالبا بعض الأمل كلون للصفاء والنقاء والمثل العليا ، أبيض يحاول التحرر والإنعتاق بحركية داخل المشهد صاعدا إلى أعلى..
لكن، عند التمعن أكثر وتدقيق النظر جيدا في اللوحة سنكتشف أن الأمر يتعلق ببحر ممتد ومظلم ، أفق أسود بلا نهايات ولا حدود بأمواجة البيضاء المزبدة الثائرة وعاصفة متمردة على هدوء المحيط
أمر ربما قد يوحي بحدث جلل أو أحداث ضخمة مزلزلة ومؤثرة ستكون الرواية مسرحا لها ،أحداث ستختتم لا محالة بنتائج وتغيرات جوهرية.. نحن هنا لا نتوقع ولا نحب أن نستبق الأحداث ونتنبأ بما سيقع في “بقايا حلم عزة ” قبل قراءتها، لكن الطبيعة علمتنا أن الهواء إذا سكت فانتطر العاصفة وأن الزمن إذا سكت فانتظر الكارثة .
هنا نلفت إنتباه الملاحظ المتمهل والمتمعن إلى تلك العين النسائية الجميلة التي بالكاد يمكن التفطن لها، عين سمت أعلى المشهد باكية ودمعة تسيل على خد لم يظهر فسالت على العاصفة في مشهد تراجيدي تسوده الكثير من التناقضات ،فالعاصفة قوية والمرأة ضعيفة ،العاصفة تدمر وتسلب تنهب وتهين بينهما المرأة تبني المجتمع هي من تسلب وتنهب وتهان العاصفة تظلم عندما تأتي على محاصيل الفلاحين وممتلكات التجار وأرواح الابرياء بينما المرأة تظلم .
فمن تكون هذه المرأة الباكية ؟لماذا تبكي ؟وماخطبها ؟
أسئلة قد تجد إجاباتها بين ثنايا الرواية .
إذن و بعد الانتقال من العتبات إلى النص الأدبي وقراءة الرواية كاملة قد نفهم بقية الحكاية وبقايا الحلم..
1) المكان في بقايا حلم عزة
تدور احداث الرواية ب :
الاقاليم الصحراوية :أوسرد ،العيون،الداخلة،الطانطان،بئر انزران
جامعة مراكش ومدينة “البهجة” بمركزها السياحي المعروف وأماكنها و موقف الحافلات CTM.
الناظور : هذه المدينة الريفية الواقعة في أقصى الشمال الشرقي للمغرب تظهر في لحظة عابرة،عندما قامت السلطات الإسبانية بتسليم علي، أخ الشخصية الرئيسية، إلى السلطات المغربية بعد محاولة هجرة سرية فاشلة .
إسبانيا : جزر الكناري تينيريفي.
موريتانيا ومخيمات اللاجئين الصحراويين.
2) الزمان:
يمكن حصر زمن أحداث “بقايا حلم عزة” خلال السنوات الأخيرة من الفترة الاستعمارية الإسبانية بالصحراء أي السبعينات إلى وقتنا الحاضر.
فترة تاريخية تكتسي أهمية بالغة نظرا للأحداث السياسية والاجتماعية المتواترة التي شهدتها المنطقة والتي أثرت وغيرت في نمط عيش ساكنة الإقليم أحداث سنشير لها لاحقا في هذه القراءة ببعض التفصيل.
3) الشخصيات:
تعددت الشخصيات في الرواية الأولى ليحضيه بوهدا بتعدد فضاءاتها،بيد أننا سنكتفي برصد الرئيسية والفاعلة منها فقط ، رغبة منا في تتبع حبكتها عن قرب ورصد خطوطها الرئيسية وتفكيك رموزها.
عزة : هذه المرأة الرائعة يمكن إعتبارها المحور الأساسي لكل أحداث الرواية،سلط عليها الراوي كل الأضواء بل وعنون العمل بإسمها موحيا بأنها الشخصية الرئيسية ،
أمر قد لا نوافقه عليه وإن كنا لا نختلف معه في كونها تمثل القيم السامية للمجتمع الصحراوي ورمزا للمرأة المربية والمثابرة والمجتهدة والمضحية في سبيل إسعاد الآخرين بنكران للذات وإباء منقطعي النظير..مناضلة من أجل البقاء ،تعمل على ضمان حياة كريمة وشريفة لها ولمن يحيطون بها فأصبحت قدوة ونبراسا للجميع خصوصا أحمد سالم.
أحمد سالم: هو أفضل أبناء عبد الله ،تلقى تربية تقليدية محافظة إن لم نقل مثالية على يد عمته عزة بعد وفاة أمه ورحيل أبيه الى مخيمات اللآجئين الصحراويين.هذا الشاب الناجح بالنسبة لنا هو بطل الرواية وشخصيتها الرئيسية ولا نستبعد أن يكون كاتبها …
مريم : طالبة صحراوية تعرفت على أحمد سالم في الحافلة أثناء سفرهما إلى مراكش ،ثم تزوجا بعد قصة حب أسطورية .
علي : خلافا لأخيه أحمد سالم فعلي رفض إتمام دراسته .شاب مغامر تعاطى لعدة أعمال منها التجارة وتربية الماشية ، كان لا يبخل على عائلته الفقيرة بالمساعدة المادية قدر المستطاع .
–عزة الصغيرة : ثمرة الحب والزواج وربما ترمز إلى الحلم في استمراريته.
أما فيما يتعلق بتيمات أو مواضيع الرواية،فقد حاولت “بقايا حلم عزة” مقاربة واقع الصحراويين بكل صدق وإخلاص.
1) التضامن والتكافل الإجتماعي : مظهر وقيمة إجتماعية أضحت تندثر شيئا فشيئا في زمن الرداءة أو ما يسمى العولمة والحداثة .
2) يعد الصبر والكفاح من أجل البقاء وضمان لقمة العيش الموضوع الأبرز الذي ترصده الرواية.
3)الفقر: فرضت ظروف الحرب نهاية السبعينيات على عائلة عبد الله التي كانت تعيش في منطقة بئرانزران مثلها مثل بقية العائلات الصحراوية الهروب من ويلات الحرب تاركين ورائهم كل ما يملكون (إبل ،غنم…) واقع جعلهم يعيشون في مدن عجزت عن مغازلة ودهم وعجزوا هم عن الإندماج فيها، مدن تكاد تلبي النزر اليسير من حاجياتهم المعيشية اليومية بإقتصاد ريع متذبذب وغريب، فكان الفقر مآل الكثيرين.
4)الحب : بين المشاعر الصادقة الجياشة وظروف الحياة والمجتمع هناك جدار فاصل من المصاعب والمشاكل والتعقيدات غالبا ما تجعل الحب مستحيلا .في الأحياء الجامعية ،في الشمال نشأت قصص حب عديدة بين الطلبة والطالبات الصحراويين غالبا ما كانت نهايتها مأساوية ومتشابهة إلى حد كبير،العائلة تفرض على إبنتها الطالبة الزواج من شخص آخر ميسور لا تحبه ،بل حتى لا تعرفه، فتجد الطالبة نفسها حائرة بين شخص مؤهل ماديا لتحمل مسؤوليات الزواج وحبيب لازال إلى جانبها بكراسي الجامعات عاجز حتى عن تحمل ثمن سيجارته، لترضخ لضغوطات العائلة في الأخيرفي مجتمع محافظ تطبعه البداوة بعلاقاتها التقليدية،مجتمع ذكوري يقرر فيه الأب والعم والأخ الكبير….في الرواية كان الإستثناء ،وما زواج أحمد سالم بمحبوبته زمن الجامعة مريم بعد طلاقها إلا تأكيدا على أن الصعب سهل والمستحيل ممكن رغم مرور الزمن بالصبر والأمل والعمل.
فهل كان حضور الإستثناء صدفة؟أم رغبة في مفاجأة القارئ ؟أم أن الكاتب نفسه الذي سبق له أن درس بمراكش كان قد مر بتجربة عاطفية يتمنى لها نهاية مماثلة .
5)اللجوء : سواء كان إختياريا أو إجباريا ،فقد شكل إنتقال آلاف الصحراويين إلى لحمادة الجزائرية بعد الإنسحاب المستعجل والعشوائي لإسبانيا أكتوبر 1975 من المنطقة،شكل هذا الانتقال مأساة إنسانية حقيقية لا تزال آثارها تلوح بظلالها على العائلات الصحراوية إلى يومنا هذا. وما عبد الله إلا واحد من هؤلاء حيث ترك أبناءه مع أخته يعيشون قدرهم بالعيون ،وذهب أولا إلى موريتانيا ثم إلى مخيمات اللاجئين قصد إستيفاء دين كبير، علق عليه آمالا كبيرة لإعالة عائلته المعدومة، لكن الرياح أتت بما لاتشتهيه السفن،فلا الدين تم استفاؤه ولا هو عاد الى وطنه.
الظلم : يعد إعتقال أب بريء رفقة إبنه دون أي دليل مادي وتعذيبهما، في مكان واحد وإهانتهما و نفيهما إلى المعتقلات السرية بالصحراء الشرقية واقعا عاشته جل العوائل الصحراوية ،فقط بمجرد الإشتباه في ولاء أفرادها لجبهة البوليساريو.
واقع شكل كارثة ودراما حقيقية للكثيرين في فترة ملتهبة سميت في المغرب “سنوات الجمر والرصاص” مرحلة يقال أن الستار أسدل عليها سنة 1999.
6)الهجرة السرية :أجبرت الظروف الإقتصادية الصعبة من بطالة وفقر وتهميش آلاف الشباب على المخاطرة بأرواحهم والهروب من واقعهم المزري إلى الديار الإسبانية عبر قوارب خشبية صغيرة باحثين عن مستقبل أفضل وعيش كريم.وما علي، أخ البطل، إلا واحد من هؤلاء حيث واجه مع مجموعة من الشباب صعوبات تقنية جمة أثناء رحلتهم في عرض المحيط الأطلنتي وأمواجه العاتية التي كادت تؤدي بهم لولا الألطاف الربانية والحرس المدني لجزيرة تينريفي. القاصرين تم إرسالهم إلى مراكز إستقبال خاصة قصد الإعتناء بهم وتدريسهم قبل إدماجهم .أما البالغون فسلموا إلى السلطات المغربية بمنطقة حدودية قرب مدينة الناظور.لم يذكرها الراوي ربما تكون بني نصار.
7)حلم عزة : لعزة حلم ، بل أحلام تحقق منها البعض والبعض الاخر ذهب أدراج الرياح. فالتكوين العالي لإبن أخيها أحمد سالم شكل إنتصارا لها وله وللعائلة بأسرها على الفقر والجهل و التخلف والأمية أحد أكبر أعداء الشعوب ،فكان الفخر والإعتزاز والنجاح بفضل التضحيات الجسام والنصائح العشر لعزة الراسخة دوما في ذهن أحمد سالم أينما حل وإرتحل تنير دربه وتوجهه،فحقق هذا النجيب للعائلة وللعمة ما لم تسمح الظروف بتحققه لعزة وجيلها بأكمله…
هذه النصائح العشر جعلتني أستحضر الثوري الأرجنتيني إرنسطو تشي جيفارا ونصائحه لإبناءه في رسالة الوداع :”أدرسوا كثيرا حتى تتمكنوا من التحكم في التقنية التي تسمح بالتحكم بالطبيعة.تذكروا أهمية الثورة وأن كل واحد لوحده لا يساوي شيئا.كونوا دائما قادرين على الإحساس من اعماقكم بأي ظلم مرتكب ضد أي كان في أي مكان في العالم .إنها الخصلة الأكثر جمالا في الثوري” .
: “Estudien mucho para poder dominar la técnica que permite dominar la naturaleza. Acuérdense que la revolución es lo importante y que cada uno de nosotros, solo, no vale nada. Sobre todo, sean siempre capaces de sentir en lo más hondo cualquier injusticia cometida contra cualquiera en cualquier parte del mundo. Es la cualidad más linda de un revolucionario.”
بقي أن نقول في الأخير أن هذه التجربة الأدبية الأصيلة التي نهلت من الشعر الحساني والثقافة الشعبية والمعارف الموسوعية للكاتب ،رصدت وجسدت وحللت وقرأت حياة الصحراويين وواقعهم من وجهة نظر صحراوية عاشت و عايشت وسمعت فأحست وتأثرت بمحيطها لتكتب آهات عشرات الآف من الناس الذين يعانون داخل وخارج أرضهم من صعوبة المناخ والأجواء والجفاف بكل دلالات وأبعاد الكلمة .هاته الرواية التي تتوخى تربية وتوجيه الأجيال الصاعدة تعتبر واحدة من إرهاصات بزوغ فجر الرواية التاريخية الواقعية بالصحراء.ونقطة إنطلاقة في مشوار الألف ميل،ميلاد الرواية الملتزمة مع قضايا أمتها الموثقة لتاريخها والمتفاعلة مع مجتمعها بكافة تناقضاته وتفاصيله بأدب جميل ينفذ إلى القلوب بسلاسة كتسرب ماء الغدير في الكثبان
