بقلم : بوعلفة أحمد
اختلف الناس في قديما في مفهوم الهدية .بعضهم قال إنها ضرورية ولابد من اشتراط القيمة المادية فيها .. فيما قال البعض الآخر إنها ليست واجبة وفي جميع المناسبات وضرورية واقتصارها على الأفراح والأعياد والزيارات التي تدخل البهجة في النفوس . غير أن الأغلبية أجمعت على أنها تعتبر تذكار تقدم في كل مناسبة ، لأنها تضفي جوا من الود والترابط الأسري وتقارب النفوس من بعضها ببعض .
والهدية المعنوية ذات قيمة رمزية وتعبر عن الحب والوفاء والصداقة ، إلا أنه ما يؤسف له أن الكثير من الناس باتوا يتداولون الهدايا الباهظة الثمن وربما يعود ذلك إلى حبهم للتفاخر والمباهاة عند تقديمها إلا أنه في بعض الأحيان تكون الهدية من باب المساعدة فقط.. وعموما لم تعد الناس تميل إلى شراء الهدايا العملية كالذهب..
وهذا يعود إلى ارتفاع سعره … كما أنها باتت موضة قديمة مما جعل الناس تبحث عن الحديث ليواكب نهضة عصر الهدايا .. لذا فقد انحصرت هدياهم في تقديم الورد وذلك يعود إلى سهولة حمله ورخص ثمنه ويعتبر رمزا جميلا ولغة اتصال بين الناس .. كذلك هناك نوع من العطور والأشياء الثمينة التي تقدم في مناسبات كثيرة رغم أنه الثمينة التي تقدم في مناسبات كثيرة رغم أنها أغلى من الذهب .
* الهدية خير تعبير
الهدية خير تعبير يلجأ إليه الإنسان عندما يعجز اللسان عن التعبير عما يختلج في نفسه . لأن الهدية هي التي يريد من خلالها التعبير عن أحاسيسه ومشاعره … ولأنها تبقى ذات قيمة معنوية لا يمكن قياسها بالماديات … لأنها محاولة للتعبير عن الحب والتقدير، فمثلا الوردة أو منديل اليد ، أو قلم عادي ، كلها أشياء قيمتها المادية لا تكاد تذكر لكنها ثقيلة في ميزان المهدي كلها نظرا لخلوها من المبالغة في ثمنها … لأن مدلولها ومعناها الوجداني العميق أسمى بكثير من قيمتها الملية ، أما إذا دخلت الماديات في موضوع الهدية فهي تكون عربون مصالحة تحت اسم هدية … أو تكون أداء واجب تحت اسم هدية.. أو تكون “نفاقا” أو “رشوة” والعياذ بالله .
وأنا شخصيا أفضل أن تكون الهدية بعيدة عن التكلفة فلا أرهق نفسي في شرائها بثمن باهظ لأنه تبذير ومشقة لا مبرر لها.. لأنني أعتبرها ترجمة طبيعية لإحساس طبيعي غير مصطنع .
* مواصفات الهدية المثالية .
جرى العرف والتقاليد في مبادلة الهدية التي تكون بسيطة بعيدة عن التكلف المبالغ فيه .. أما مضمونها فيختلف من شخص إلى آخر .
ولكنها تؤدي نفس الغرض في تقريب النفوس وتعميق التواصل بين الأشخاص .. وقد تأخذ طابع التقرب من أجل الوصول إلى منفعة خاصة ومغلفة في صورة هدية.
وبالنسبة لطبيعتها فهي تختلف حسب نوعية الأشخاص المهداة إليهم .. فمثلا هدية الأب لولده أو ابنته تكون ( دراجة أو سيارة أو أشياء ثمينة ). بينما هدية الخطيبة فهمي تكون من لوازم المنزل ذات مضمون معنوي مثل العطور . وحقائب ومساحيق التجميل.. في حين هدية الصديق تكون على شكل بطاقات التهنئة أو قطعة ذهب صغيرة إذا كان لمناسبة مولود جديد. وبعض الناس بفضل شراء الهدية التي تبقى حاضرة في حياة شخص . ولعل هدية الذهب تقف في الطليعة.
* المناسبة هي التي تفرض الهدية.
إن الناس تفضل الهدايا العملية لما لها من إقبال شديد من الزبائن التي تفضل الزهور الورود وهذا دليل الشاعرية والذوق الحساس .. ولأن لها مدلولات كثيرة ومعاني عميقة لا تدركها إلا إذا تعاملنا معها.. وهنالك مثل يقول : ” إن إرضاء الناس غاية لا تدرك” بمعنى اختيار نوع من الزهور لا يرضي الكثير منهم إذا تحاول تشجيعهم في اختيار ما يناسبهم بإعطائهم نبذة موجزة عن كيفية تعاملهم مع الورود واكتسابهم في انتقاء باقاتهم بعيدا عن الحيرة التي تنتابهم.
* لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
نتيجة لعدم إدراك مفهوم الهدية الحقيقي وقع بعض الناس في الإثم بسبب الإسراف والتبذير الزائد عند شرائها أو تراكم الديون على صاحبها للاستدانة بثمنها.. وهذا ما لا يرضاه ديننا الحنيف في قوله تعالى :” لا يكلف الله نفسا إلا وسعها” .. وإنما رغب الإسلام بالهدية لأنها تدخل السرور في قلب المهدى إليه وتضاعف المحبة والألفة بينهم .. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية السامية بقوله :” تهادوا تحابوا” فإنها تثبت المودة وتذهب الضغائن ، وبما أن الهدية هي تعبير وعربون عن الصداقة فهي تقاس بقيمتها المعنوية..
فالهدية إذن أمر مندوب إليه ، أحبه النبي صلوات الله عليه جبرا للخواطر ومشاركة فعالة في الأخوة والصداقة .. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يقبل الهدية ويثيب عليها .. ولا بأس في أن تكون ثمينة ولكن بشرط .. أن تخلو من المباهاة والتفاخر لأن الإسلام يمقته ، وأن لا يتكلفها المهدى فيضيق على نفسه وأهله وهذا لا يجوز ، لأن الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام كان ينهي عن التكلفة.
*الهدية وقيمتها المعنوية.
الهدية هي جزء من علاقة اجتماعية قائمة على جسور من المشاعر والود في مدينة الإنسان الطيبة .. والتي تقبع بداخلها مفارق الخير والشر .
وهي ليست مقرونة بشروط معينة أو محددة
بل نحن الذين قمنا بتشكيلها ووضعها في
إطار المفاخرة والمغالاة بثمنها وقيمتها حتى
أصبحت بعيدة عن معناها الحقيقي.
والهدية لا تكون لكونها هدية فقط بقدر ما هي رمز تحمل في طياتها كل معاني الألفة والمودة والحب والجانب المعنوي في سلوك الإنسان الذي يسعى دائما إلى توظيفه .. ولتكون نوعا من الأنواع الترفيه الروحي والمعنوي الذي ينقل الفرد من مشاكله وأزماته الاجتماعية إلى معالم أكثر تفاؤلا وبهجة.
وتختلف معايير الهدية بين الأفراد لأن لكل فئة طابعها الخاص، وعاداتها الشخصية. وهدية الزوجين لها طابع معين لأنهم في خضم مشاكلهم ومعاناتهم المعيشية وثقل مسؤوليتهم تدخل الهدية في حياتهم بمثابة الضيف الذي يحمل معه الألفة والود وكأنها خافض للحرارة في جو العلاقات الزوجية .. وكذلك في هدايا الأصدقاء والخطيبين التي تظهر فيها تبادل الانفعال العاطفي وفق ومستواهم الاجتماعي.
كاتب المقال :
بوعلفة أحمد
