الصحراء 24 : العيــــون
داخل قاعة تعج بالحركة في مركز جمعوي بمدينة بويزكارن (قرب كلميم)، نساء تروضن الخيوط على آلات الخياطة يتعلمن حركاتها الدقيقة، فيما تنكب أخريات على دفاتر خاصة بمحو الأمية لتتبع خطواتهن الأولى في تعلم القراءة والكتابة، وفي وسطهن تقف جمعة ماء العينين، تراقب وتوج ه وتشجع.
بالنسبة لهذه الفاعلة الجمعوية، لا تمثل هذه المشاهد اليومية مجرد أنشطة للتكوين، بل تجسد معركة طويلة من أجل تمكين نساء المنطقة من آليات تحقيق استقلالية وتعزيز ثقتهن بأنفسهن.
وتكرس جمعة ماء العينين، رئيسة الجمعية المغربية للمرأة النموذج، والجمعية الخيرية الإسلامية ببويزكارن، منذ عقود جهودها للعمل الاجتماعي. وهي متزوجة وأم لثلاثة أطفال، وقد تابعت دراستها إلى غاية السنة الأولى من سلك البكالوريا، غير أن مسارها تشكل أساسا من خلال احتكاكها المباشر بالواقع الاجتماعي لمنطقتها.
ويعود انخراطها في العمل الجمعوي إلى سنة 1980، أي قبل تأسيس هاتين الجمعيتين. ففي تلك الفترة، كانت العديد من نساء الحي يقصدنها لعرض قضايهن العائلية أو الاجتماعية، وهن واثقات من قدرتها على الإصغاء إليهن وإرشادهن.
تقول جمعة في حديث للصحافة “كنت أرافقهن بكل بساطة لأنني كنت أشعر بحاجة إلى تقديم المساعدة”، مستحضرة تلك السنوات الأولى من العمل التطوعي.
وبتشجيع من محيطها، وخاصة زوجها الذي كان بدوره منخرطا في العمل الجمعوي، قررت السيدة جمعة تدريجيا تأطير هذا الانخراط عبر خلق جمعيات، بهدف إرساء عمل في إطار منظم ومستدام.
وقد ساهمت الجمعية المغربية للمرأة النموذج، المحدثة سنة 2010، في وضع برامج لمحو الأمية والتكوين لفائدة النساء، بشراكة مع التعاون الوطني.
وشملت هذه البرامج مجالات الخياطة والتطريز، إلى جانب تعلم القراءة والكتابة، مما فتح آفاقا جديدة أمام العديد من المستفيدات. وفي سنة 2022، تم قطع خطوة جديدة من خلال إحداث فضاء متعدد الوظائف مخصص لمواكبة النساء ضحايا العنف.
في منطقة قد تشكل فيها التقاليد والضغوط الاجتماعية أحيانا عائقا أمام البوح، يظل الصمت أحد أبرز التحديات.
تقول جمعة “الكثير من النساء يترددن في الحديث عما يعشنهه”، مشيرة إلى أن الجمعية تضاعف جهودها التحسيسية من أجل تعريف النساء بحقوقهن وبمختلف أشكال العنف.
ومك ن هذا الفضاء، منذ افتتاحه، من مواكبة أكثر من 160 امرأة في وضعيات عنف أو هشاشة كبيرة، وذلك عبر تقديم خدمات تشمل الاستماع والدعم النفسي والمواكبة القانونية.
وتعترف هذه الفاعلة الجمعوية بأن بعض الحالات تترك أثرا عميقا في نفسها، لاسيما تلك المتعلقة بالقاصرات أو أمهات عازبات شابات مع أطفالهن، وهي قصص تذك رها يوميا بضرورة مواصلة هذا العمل الميداني.
وبالموازاة مع هذا الانخراط لفائدة النساء، تشرف جمعة ماء العينين أيضا على تسيير الجمعية الخيرية الإسلامية ببويزكارن، المشرفة على تسيير دار الأطفال، وهي مؤسسة اجتماعية تأسست في أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، وتستقبل اليوم الأيتام والأطفال في وضعية صعبة.
وساهمت هذه البنية الاجتماعية، طيلة سنوات، في توفير إطار تربوي واجتماعي للعديد من شباب المنطقة، خاصة أولئك الذين جاؤوا لمتابعة دراستهم بعيدا عن قراهم.
ورغم المسؤوليات والتحديات التي يفرضها هذا الانخراط، تؤكد جمعة ماء العينين أنها لم تفكر يوما في التراجع. تقول بكل تواضع “لا أعتبر ذلك تضحية”، مضيفة “بل بالعكس، يمنحني ذلك دافعا للاستمرار ومزيد من العطاء”.
ومع مرور السنوات، تجاوز إشعاع عمل هذه السيدة حدود منطقة بويزكارن؛ إذ تستقبل المؤسسات التي تشرف عليها نساء وأطفالا من مختلف أقاليم جهة كلميم-واد نون، كما يتم الاستعانة بها بشكل منتظم، لتقاسم تجربتها مع جمعيات أخرى وسلطات محلية.
وبمناسبة تخليد اليوم الدولي لحقوق المرأة، توجه جمعة ماء العينين رسالة تشجيع إلى النساء قائلة: “تجر أن على كسر الصمت وأخذ مكانكن داخل المجتمع. لديكن مسؤوليات أسرية، لكن من المهم أيضا التفكير في أنفسكن: تعلم القراءة والكتابة، اكتساب مهنة، تأسيس جمعيات أو تعاونيات، والمشاركة الفاعلة في حياة مجتمعكن”.
بين الاستماع والتكوين والمواكبة، تواصل جمعة ماء العينين مسارها بنفس القناعة التي تحركها منذ عقود: مواكبة النساء والأطفال إلى أن يستعيدوا ثقتهم بأنفسهم ويتمكنوا من بناء مستقبلهم في بويزكارن وفي مختلف أنحاء الجهة.

