من يصنع الاختلاف؟

الصحراء 24 : بقلم / محمد بونعاج 

…ائتلافٌ جديد… أم إتلافٌ للشرعية؟

استمعنا إلى الحوار الذي جمع حمدي أصغير—كما نعرفه نحن الذين تربّينا معه على نفس الأرض—فقد تحدّث من زاوية جغرافيا السياسة، لا جغرافيا الانتماء. رأيه كان قانونيًا بحتًا، مرتبطًا بحدود الطاح جنوبًا، ولم يكن فيه إقصاء لقبيلة أو تمجيد لأخرى، لأن القانون يتعامل مع الخرائط، بينما نحن نتعامل مع جذورٍ ضاربة في التاريخ.

فالقبيلة كانت قبل الحدود السياسية وستظل بعدها، لأنها تنتمي إلى الإنسان قبل أن تنتمي إلى المكان، وتُبنى على العرف قبل الإدارات، وعلى الذاكرة قبل الدفاتر.

لكن المشكلة ليست في كلامه، بل فيمن يقف خلف الستار، يلتقط كل كلمة ليحوّلها إلى أداة للفتنة. هناك دائمًا من يتصيّد هفوات النقاش كي يخلق صراعًا، ويحوّل سوء الفهم إلى خصومة، والخصومة إلى شرخٍ جديد يخدم مصالح من يعيشون في العلب السوداء،

إنهم أولئك الذين يستفيدون كلما انكسرت القبيلة، وكلما كبا الحصان، وكلما ضاعت وحدة الصف في متاهات التأويل.

وللتذكير:

القبائل ليست مواقع جغرافية، بل انتماء روحيّ واجتماعيّ، يتجاوز الخطوط والخرائط.

هي بيتٌ واحد، ومسؤولية واحدة، وحكمةٌ تراكمت قبل القانون وبعده. وإذا كان حضور “المثقف” سيحوّل هذه الحقيقة إلى فتنة، ويزرع الشك بدل الفهم، ويعبث بما حافظ عليه الأجداد، فليذهب ذلك النوع من الثقافة إلى حيث لا يفسد نسيجنا ولا يقتلع جذورنا.

ثقافةٌ تُقسّم لا تُشرّف حاملها، وما لا يخدم وحدة المجتمع لا يستحق أن يُسمّى فكرًا.
اليوم لسنا أمام اختلافٍ بسيط، بل أمام سؤالٍ أكبر:
هل ما يجري هو ائتلافٌ جديد يُراد به بناء رؤية مشتركة؟
أم إتلافٌ للشرعية يقوده من يبحث عن مكاسب على حساب الانتماء؟
من يحرّك مياه الخلاف؟
ومن يفرح حين يتباعد أبناء المكوّن الواحد؟
ومن يربح حين يخسر الجميع؟
الجواب واضح لمن يعرف تاريخ المنطقة: كلّ سقوطٍ للصف، يعلو فوقه آخرون لا يملكون وزنًا إلا حين نضعف.
نقولها بوضوح لا لبس فيه:
اللعب في السياسة مشروع، أمّا اللعب على أعصاب القبائل فخط أحمر.
من أراد أن يخوض معاركه، فليبتعد عن روابط الناس وأعرافهم، فهي أقدم من القانون وأقوى من كل حسابات المصالح.
فالانتماء ليس ورقة ضغط، ولا يُختزل في حدود، ولا يُختزل في حسابات ضيقة.
هو شرفٌ يحمله الرجال، وعهدٌ يُصان، ومسؤوليةٌ لا ترضى أن تكون سلعة في سوق التفرقة.

في النهاية، القبيلة لم تكن سبب أزمة يومًا، بل كانت دائمًا مساحة أمان، وصوت اعتدال، وسدًّا يحمي المجتمع من الانزلاق.

وإذا أراد البعض أن يجعل منها وقودًا لخلافات مصطنعة، فعلينا أن نكون أكثر وعيًا، وأكثر قدرةً على التمييز بين الاختلاف الطبيعي… والاختلاف المصنوع.

فلنحافظ ما بقي من الحكمة، ولنعطِ لكل كلمة وزنها، ولنعُد إلى أصلٍ يجمعنا قبل أن نضيع في تفاصيلٍ تُفرّقنا.

فالوحدة إرث، والانتماء مسؤولية، والعرف تاجٌ لا يليق أن يُوضع على رأس كل من يعبث به…

بقلم : محمد بونعاج .

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد