الصحراء 24 : بقلم /ذ.ابراهيم ابهوش
في زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية وتتعاظم فيه أدوار الإعلام كفاعل أساسي لا مجرد ناقل، لا يمكن لأي مؤسسة دستورية أن تدّعي الفعالية دون أن تفتح نوافذها على الجميع وأولهم الصحافة.
فحين يصبح الحديث عن الوطن، تسقط الحدود بين المؤسسات والمجتمع، ويصبح الحق في المعلومة مسؤولية مشتركة لا امتيازًا ممنوحًا.
لقد أثار الحدث الكبير الذي شهدته مدينة العيون تحت الرعاية السامية لجلالة الملك محمد السادس والمتجسد في المنتدى البرلماني للتعاون الاقتصادي بين المغرب ومجموعة دول CEMAC، جدلًا لا يخلو من عمق وقلق مشروع حول غياب بعض المنابر الإعلامية عن التغطية !!
حدث من هذا العيار، في مكان بهذه الحمولة الرمزية وتوقيت يتقاطع مع تحولات قاريةحول قضايا وطنية هامة ، لا يمكن إلا أن يكون مناسبة لإبراز التنوع الإعلامي لا تقييده، وتكريس الانفتاح لا الانتقاء.
فحين يُستثنى الصحفي من حضور حدث وطني بهذا الثقل وبهذا الحجم والرمزية ، لا يُقصى هو فقط، بل يُقصى المواطن الذي يرى فيه ممثله في المساءلة والنقل والتحليل والبحث عن الحقيقة ليطمئن القلب.
هذا الإقصاء ولإن تم تبريره باعتبارات تنظيمية أو بروتوكولية، لا يُقنع حين يُفرغ اللحظة من معناها، خاصة أن الإعلام الجاد في الصحراء المغربية لم يكن يومًا عدوًا للمؤسسات بل سندًا لها ومرآة تعكس صورتها من الداخل لا من خارج السياق.
ذلك أن الصحفي ابن الأرض، ومن قلب الميدان، لا يُمارس المهنة كهواية بل كأمانة، هو الذي يتكئ على مرجعيات القيم الصحراوية التي تعرف تمامًا الفرق بين النقد والتجريح، بين الكلمة الحرة والمسؤولية الوطنية، فكيف اذن يمكن ان نستبعد صوتًا يحمل هذه الخصوصية في لحظة يُفترض أن نُشرك فيها الجميع؟
بل الأكثر من ذلك، فإن ربط قرار الإقصاء برئيس مجلس المستشارين، يبدو متعسفًا وغير منصف، فهو بحكم موقعه الدستوري وتجربته ومكانته، فبلاشك أنه يدرك تمامًا أن الإعلام ليس عدوًا بل شريكا استراتيجيا، وأن أي حدث لا يستمد قيمته من بلاغاته الرسمية فقط، بل من صداه في وسائل الإعلام واحترامه لمهنة الصحافة.
ولأن للصحفي دورًا يتجاوز تغطية اللحظة إلى بناء جسور الثقة بين المواطن والمؤسسة، وبين الوطن وشركائه الخارجيين، فإن غيابه لا يُعتبر مجرد خلل مهني بل تفريط في فرصة للتأثير وبناء صورة متكاملة.
مالايفهمه من تسبب في هذا الخطأ الجسيم هو ان الإعلام هو من يُعبّر عن نبض المجتمع، ومن يمنح الحدث أفقًا شعبيًا، ومن يحمي الحقيقة من الانغلاق، فليس كل ما لا يُغطى غير مهم، ولكن كل ما لا يُغطى قد يُفهم خطأً.
وفي هذا السياق، لا يمكن انامل من موقعه وفي حدود مستوى مسؤولياته ،تجاهل ما أثارته الصحافية الإسبانية باتريثيا ماجيدي في اللقاء الدولي المنعقد بمدينة الداخلة، اليوم 21 يونيو. ماجيدي، القادمة من الضفة الأخرى، لم تكتفِ كصحفية بالتقارير الجاهزة أو التصريحات الرسمية، بل اختارت أن تسلك بنفسها طريق الحقيقة من تندوف إلى العيون، لتشاهد بعيونها ما لم تُروِه الروايات الرسمية، وتكتشف الفوارق الصارخة بين التنميط الإعلامي والاستقصاء الميداني…
شهادتها، التي وُصفت من قبل أزيد من 100 صحفي وخبير دولي ، بالصادقة والشجاعة، جاءت لتُعزز ما يعرفه المغاربة في وجدانهم العميق: أن الصحراء المغربية ليست مجرد ملف، بل هوية، وأن أهلها هم أصدق من ينقل عنها الصورة، لا أولئك الذين يدعون الباطل ويروجون الاكاذيب ويمارسون التضليل ويكتبون من بعيد الأخبار الزائفة.
تجربة ماجيدي ، مثال حي على ما يمكن للصحافة أن تصنعه حين تتحرر من القوالب وتختار الحقيقة ولو على حساب الحسابات!!
لذلك، لا يمكن اختزال الحضور في المقاعد، بل في الشفافية، ولا النجاح في الكلمات الافتتاحية ، بل في صدى الصورة عند من غاب ولم يُمنح فرصة الحضور مهما بلغت التبريرات.
الإعلام ليس خصمًا للمؤسسات، بل هو شريك في صناعة التاريخ مهما تنوعت الآراء والمقاربات، يبقى أن لا عدو في قضايا الوطن، لأن الوطن لا يُختزل في صيغ جاهزة، بل يحتوي الجميع، وإن تعددت الأصوات، فذلك دليل صحة، لا خطر، وإن اختلفت الزوايا، فذلك برهان حياة، لا تهديد.
فمن يُقصي الصوت الوطني الحر بدعوى التنظيم، يخسر القلوب قبل العناوين، ومن يفتح الباب للنقد، يفتح الباب للنضج المؤسسي…
وإن كانت الرسائل من العيون سيادية، فإن أفضل من يحملها، فهم أبناء الصحراء، من إعلاميين وصحفيين لا يطلبون مجدًا شخصيًا، بل مساحة للصدق، وحقًا في الحضور، وكرامة في نقل الحقيقة، لأنهم ببساطة، لا يعرفون غير حب الوطن أسلوبًا للمهنة.

