الصحراء 24 : العيــــون
تشهد منطقة الساحل الإفريقي تحولات استراتيجية عميقة تعيد تشكيل موازين القوى والتحالفات الإقليمية. في هذا السياق، يبرز المغرب كفاعل رئيسي يمتلك رؤية شمولية تربط بين التنمية والأمن، وتكرّس الإسلام الوسطي كرافعة للاستقرار، معتمدًا على شراكات جنوب-جنوب مع دول مثل مالي، النيجر، وبوركينا فاسو، تشمل مجالات متعددة من التعليم الديني إلى المشاريع الاقتصادية الكبرى كأنبوب الغاز المغربي-النيجيري.
مقابل هذا النهج العملي والمتوازن، اختارت الجزائر سياسة أمنية تصعيدية تراجعت نتيجتها على الساحة الدبلوماسية، خصوصًا بعد قطع علاقاتها مع المغرب وإغلاق مجالها الجوي، حيث تراجعت نفوذها في دول الساحل التي شكلت تحالفًا جديدًا يعكس ابتعادًا عن تأثيرها التقليدي.
وفي ظل هذه التحولات، تبرز الإمارات كلاعب إقليمي متصاعد، معززًا وجوده الأمني والعسكري والتنموي في النيجر وبوركينا فاسو، وهو ما عزز التنسيق مع المغرب الذي يرى في الحضور الإماراتي شريكًا استراتيجيًا في مقاربة مشتركة للاستقرار والتنمية.
يبقى المغرب، بخلاف بعض القوى الإقليمية، محافظًا على قنوات اتصال مع الأنظمة الجديدة في الساحل، معتمداً منطق البراغماتية بعيدًا عن المواقف الحادة، ما جعله نموذجًا فاعلًا وموثوقًا يقدم بدائل واقعية ويعيد تعريف مفهوم النفوذ الإقليمي في إفريقيا.
في ظل هذه المعادلات الجديدة، يبدو أن منطقة الساحل ليست فقط ساحة للصراعات القديمة، بل مختبرًا لتشكيل شراكات إفريقية متجددة تعتمد على الندية واحترام السيادة الوطنية، حيث يثبت المغرب قدرته على صناعة الفارق من خلال رؤية متبصرة واستراتيجية طويلة الأمد.

