أين تذهب أموال المنخرطين في صناديق التقاعد ؟

الصحراء 24 : العيـــــون

لم تتمكن الحكومات بخبرائها الماليين ومستشاريها الاقتصاديين، وأحزابها الليبرالية والاشتراكية والوطنية والإسلامية والتكنوقراطية والتعادلية، من فك “طلاسم” عقدة ضمان حق معاشات المتقاعدين الذين استثمروا في صناديق التقاعد بالانخراط الإجباري بواجبات شهرية تقتطع من المنبع حسب برمجة حكومية تمنح استردادات للمنخرطين عند تقاعدهم.

وفي الثمانيات، فجرت الحكومة أول لغم هز أركان الصندوق الذي يظهر أنه كان من خشب مركون في عمارة صغيرة بساحة الجولان، ورصيده يشرف على الخصاص ولا يغطي استحقاقات المساهمين، فكان أول إنذار من تلك الحكومة بتوخي الحذر واتخاذ سياسة تنكب على إدخال إصلاحات لإنقاذ الصندوق “الخشبي” من “التسوس” الذي ينخره، فكان القرار بتشييد صندوق “حديدي” وهذه المرة في حي الرياض بدلا من حي حسان.

فكان مقر الصندوق الجديد من خلال الهندسة والمساحة والهيكلة والتأطير الإداري، يوحي بعهد جديد لميلاد مركب إداري فخم يفوق بكثير فخامة ومساحة ذلك الصندوق القديم، فكنا نستلهم من أبوابه الحديدية وحراسه الأشداء وجيوش موظفيه بأنهم سد منيع لتسرب كل ما من شأنه أن يصيبه باختلال التوازن(..)، إلا أن بلاغ كل حكومة وكأنه مستنسخ من بلاغ التي سبقتها في الثمانينات مع إضافة نعت تحت الصندوق الحالي الحديدي : إشرافه على الإفلاس بعدما استوفى التحذير عقودا من اللغو الذي تحول إلى إرهاب يفزع كل مقبل على التقاعد بأن معاشه في يد الله، بل وصرحت المسؤولة الأولى عن مالية المملكة، بأن الصندوق الحديدي الذي كنا ننتظر بركته لا يقل تدهورا وشؤما من “الصندوق الخشبي”، حتى أن أجل ”قتل” المتقاعدين بالجوع والفقر والحاجة والأمراض بات مرتبطا بتاريخ حددته نفس المسؤولة في الشهور المقبلة.

وكما تعلمون، فالمعاشات هي نتيجة من اقتطاعات مدروسة على رواتب المشتركين العاملين طيلة حياتهم الإدارية، وقد تتراوح بين 35 سنة من الأداء الأوتوماتيكي لحساب الصندوق و37 سنة من الخدمة وتسديد الأقساط المفروضة للتمتع بمعاش، الذي هو حق يؤمنه القانون وليس هبة من الحكومة، وإذا أخلت بتعهدها لأي سبب من الأسباب تقدم استقالتها، لإخفاقها في العمل على تنمية أموال أزيد من مليون منخرط في الصندوق، بالاستثمار بها في مشاريع مدرة للأرباح وهي في علم الوزارة الوصية على سلامة هذا الصندوق، فإذا بكل حكومة – منذ عقود – تعد بتسوية هذا الموضوع في حملاتها الانتخابية قبل توليها السلطات، وما إن تفتح ملف التقاعد حتى تبدأ في سرد المبررات تلو المبررات، لتبرير هذه المتلازمة التي أصيب بها الصندوق الحديدي حتى “طارت” و”تبخرت” الأوراق الملونة، وبدلا من إيجاد حل، تهدد الحكومات المتقاعدين بقرب توقف معاشاتهم.

وهذه فضيحة وطنية، لأن الصندوق مجرد “بنك” من مهامه الحفاظ على اقتطاعات منخرطيه وتوظيفها في شؤون مضمونة المردودية، ليجني منها بعد 30 سنة “الخير والبركة”، ويمنح منه معاشا لعيش أصحاب رؤوس الأموال، إلا أنه يفاجئهم بتعرضه إلى عملية النهب ويرهبهم بقطع معاشاتهم بدلا من إقالة المسؤولين عن ذلك، لتبقى معاشات المواطنين في كف عفريت إلى أجل غير مسمى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد