الصحراء 24 : ص.ص
استقبلت مدينة العيون في الأيام القليلة الماضية الجولة الثانية من الزيارة الملكية، وذلك في أقل من ثلاثة أشهر، حيث استقبلتها ساكنة الأقاليم الصحراوية باستثنائية كبيرة وهي التي كانت تنتظر هذا الحدث الذي يبقى الأهم في العمر السياسي بالمنطقة، وتعقد عليها عديد الرهانات بالنظر للخطوات الجريئة التي تمخضت عنها والرسائل والدلالات التي ستحملها، والتي تصب في إطار تعزيز المكاسب السياسية التي تكرس الحفاظ على ثوابت المملكة خاصة في ما يتعلق بالوحدة الترابية للمغرب.
الزيارة الملكية للعيون.. رسائل للخارج بين مشروعية التاريخ و شرعية الإنجاز
تأتي الزيارة الملكية في خضم عديد المتغيرات على المستوى الخارجي بعدما انطلقت أسهم التشكيك في بيان الديوان الملكي الذي ربط تعليق الزيارة الملكية شهر نوفمبر الماضي بالوعكة الصحية التي ألمت بالملك من خلال حديث قادة “جبهة البوليساريو” و بعض المنابر الإعلامية الموالية لها حول ضغوط دولية مورست لوقف الزيارة الملكية..فقد أخرست المرحلة الثانية كل حملات التشكيك و أكدت مصداقية البلاغ الملكي في رسالة واضحة المعاني و الدلالات أن المغرب في أرضه و يمارس سيادته كاملة و غير منقوصة، كما استبقت الزيارة الملكية التحركات التي يعتزم الأمين العام للأمم المتحدة “بان كي مون” تنظيمها للمنطقة بداية مارس المقبل و ذلك بتوصية من المبعوث الشخصي “كريستوفر روس” بداعي تحريك المياه الراكدة في مسار مسلسل المفاوضات الذي يعيش على وقع انسداد الأفق المرتبط به، بيد أن الحقيقة أنه يحاول تقديم الإنطباع بأن منطقة الصحراء خاضعة لسلطة و نفوذ هذه المنظمة الأممية، وذلك في إطار محاولات المبعوث الأممي الحثيثة التشكيك في مبدئية سيادة المغرب على هذه الربوع، و هي المحاولات التي لم تنطلي على الدبلوماسية “الملكية” من خلال استباق تحركات الأمين العام و قطع الطريق على هكذا استفزازات بلباقة دبلوماسية كبيرة، وهو الأمر الذي دفع بهذا الأخير إلى الإستنجاد بالبيان الذي أصدره “الإتحاد الإفريقي” من “أديس أبابا” من خلال الدعوة في إحدى فقراته المغرب برفع العراقيل التي يضعها أمام زيارة “بان كي مون” لمنطقة النزاع في رسالة مشفرة تحمل الكثير من الدلالات و على رأسها أن القوى الفاعلة في المنتظم الدولي تتحفظ على الإنخراط في مناورة مكشوفة تعكس سكرات الموت التي يتخبط فيها هرم المنظمة الأممية، وهو على مشارف توديع منصب الأمانة العامة للأمم المتحدة، والتي لا تحفظ سجلاتها وأرشيفها أي إنجاز يذكر يحسب للرجل، لذا يحاول أن يسجل أهدافا يحفظ بها ماء وجهه في الدقائق الأخيرة من و لايته التي تبقى الأسوأ من عمر هذه المنظمة الدولية، بلجوئه للحلقة الأضعف بالقارة السمراء من خلال بوابة الإتحاد الإفريقي المنظمة القارية المترهلة التي تحولت في السنوات الأخيرة إلى طرف أصيل في هذا النزاع، و لازالت تحاول بكل سذاجة أن تلعب دور الوسيط فيه، وساطة تدعي من خلالها رغبتها في بلورة حل نزاع الصحراء الذي أخفقت في حله المنظمة الأممية بكل ما لها وما عليها .
و بالرغم من ذلك فإن المغرب نجح في تسجيل عديد النقاط بما تعتبره جبهة البوليساريو قلعة حصينة من خلال الاستثمارات المالية الضخمة للمملكة في بعض دول افريقيا جنوب الصحراء، والتي صنفت من خلالها “منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية” المملكة من بين أكبر عشرين دولة مستثمرة في افريقيا، الأمر الذي عقد على الجزائر مهمة اختراقها والتغريد في سربها، إدراكا منها لأهمية هذه الاستثمارات التي بعثت الحياة في اقتصادياتها الناشئة، كما أن ارتباط مصالحها الأمنية مع المغرب من خلال محاربة التيارات الارهابية التي نمت بهوامشها يفرض عليها الرهان على كفاءة الاستخبارات المغربية في هذا المجال، والذي لا زالت تحصد الاشادة والتثمين من القوى الأوروبية التي تعتبر المغرب شريكا لا مناص من خدماته والتعاون معه..
كما تأتي هذه الزيارة بعد قرار “المحكمة الأوروبية” بتعليق العمل باتفاقية الزراعة والصيد البحري بين المغرب والاتحاد الأروبي والتي هللت لها جبهة البوليساريو وبعض معتنقي اديولوجيتها بالصحراء، متناسين أو متجاهلين أن من سيدفع ضريبتها من قوته وعيشه اليومي هم سكان الصحراء الذين كانوا سيستفيدون من عائدات هذه الاتفاقية، والتي كانت ستتحول إلى معدلات نمو واستثمار في حواضر الصحراء، وهي الرسالة التي كان الرد المغربي عليها سريعا، من خلال حجم الاستثمارات والمشاريع التي جرى تدشينها بالعيون وفم الواد و المرسى والداخلة، وبميزانيات خيالية متمثلة في 77 مليار درهم..
ثورة تنموية بضمانات ملكية..
يجمع أغلب المُتتبعين للمشهد السياسي بالداخل والخارج أن هذه المناسبة التاريخية تحمل عديد الدلالات و المعاني العميقة، كما أنها تحمل بين طياتها رسائل مشفرة لمن يهمهم الأمر، خصوصا وأن الجميع يتوقع كل الخير للصحراء على غرار كل زيارة ملكية لساكنتها التي تَعقد آمالا كبيرة على بلورة حلول عملية لمجموعة من المشاكل الاجتماعية، وذلك لتهيئة جميع الظروف الموضوعية لإنجاح الورش الوطني الإستراتيجي المُتمثل في الجهوية الموسعة التي ستشكل اللبنة الأولى في تنزيل و أجرأة الحكم الذاتي الذي يراهن عليه الجميع لإنهاء نزاع الصحراء الذي عمّر طويلاً و أصبح يؤرق أغلب القوى الفاعلة في المنتظم الدولي، و التي رحبت أغلبها في عديد المناسبات بهذه المبادرة كمشروع سياسي من شأنه أن يمنح ساكنة الصحراء صلاحية واسعة لتدبير أمورهم السياسية و الاقتصادية والاجتماعية كاملة في إطار السيادة المغربية.
ويأتي عقد المجلس الوزاري بقلب مدينة العيون كبرى حواضر الصحراء ليضفي طابع المشروعية على هذه الزيارة ، تحرك سياسي يحمل الكثير من الدلالات السياسية الموجهة للداخل كما الخارج، رسائل تغلق باب التشكيك في نسب الصحراء و أهلها و إنتمائهم للوطن الأم، فالمجلس الوزاري حسب أدبيات العمل السياسي ومن خلال الوثيقة الدستورية للمملكة يبقى الإجتماع الأهم في رسم ملامح التوجهات الكبرى للدولة، و انعاقده بالصحراء يعكس أبرز وأقوى دلالة من تمظهرات السيادة الترابية وتجليات الممارسة العملية على الأرض، معززة بشرعية الإنجاز من خلال حجم الإستثمارات التي تمت إماطة اللثام عنها، والتي يبقى مركب “تيكنوبول” أبرزها، والذي أعطى جلالة الملك انطلاقته الفعلية كحلقة في سلسلة أوراش تنموية ستشكل قفزة نوعية بالأقاليم الصحراوية، ولعل المميز أنه من شأن إطلاق هذه المشاريع خلق العديد من مناصب الشغل لشباب المنطقة الذين نخرته البطالة في ظل غياب قطاع خاص حقيقي قادر على أن يكون بديلا للدولة في خلق مناصب عمل .
و هكذا شكلت الزيارة الملكية لحظة مفصلية ستلامسُ قراراتها جميع مناحي الحياة الصحراوية، وستنعكس لا محالة وبشكل مباشر على الواقع المعيشي للساكنة من خلال تنزيل توصيات المجلس الاقتصادي و الاجتماعي و البيئي الذي سبق لجلالة الملك أن رحب بما توصل إليه من نتائج و خلاصات، خصوصا فيما يتعلق بالمشاكل الاجتماعية المتراكمة وعلى رأسها الشغل، والسكن، و الصحة، والتي أضحت تُشكل أولوية بات لزاما بلورة حلول عملية لمعالجتها، وبعيداً عن المشاكل الاجتماعية و المطالب المُلحة للساكنة، وهو ما تمت الإستفاضة في مناقشته بعد انتهاء وزير الداخلية “محمد حصاد” من تقديم عرض موجز مقتضب عن الخطوط العريضة للمشروع التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، والتي يريد لها جلالة الملك أن تجعل الانسان الصحراوي حجر الزاوية، والنهوض بواقعه المعيشي أبرز الغايات والمرامي، وذلك من خلال خلق الظروف الموضوعية لتنمية اقتصادية تكون انعكاساتها ملامسة بشكل مباشر للواقع المعيشي لساكنة الصحراء، وهي تجلي لمضمون الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الاربعينية للمسيرة الخضراء، والذي جاء في منطوقه أن المغرب إذا وعد وفى.
وبعيدا عن منطق التسويق السياسي الذي اتخذته الجزائر عقيدة واديولوجية في التعاطي مع الصحراويين المرابطين على أرضها في ظل ظروف معيشية لا تمت للانسانية بصلة، وهي إشارة أن المغرب ماض في إعماره وتنميته لهذه الأرض بشرا وحجرا، كما أنها عامل محفز للانسان الصحراوي لهجر وقطع تفكير “الانتظارية” الذي جثم على قلوب وعقول ساكنة هذه الأرض فكرا وممارسة، انتظارية حرمت الصحراويين ثمر العراق وعنب الشام، كما يبقى من الجوانب المضيئة في هذا الورش التنموي قطعه مع منطق الريع والنخب التقليدية من الأعيان والشيوخ الذين أثبت الواقع السياسي الحالي أن الرهان عليهم محدود النتائج، وخطير العواقب إن على المدى البعيد أو المتوسط، في ظل العزلة والقطيعة التي يعيشونها من طرف الساكنة التي بدأت تدريجيا في سحب بساط الشرعية من تحت أقدامهم..
قرارات مصيرية تحاكي التوجهات الإستراتيجية للدبلوماسية الملكية..
إن المتمعن في مخرجات المجلس الوزاري المنعقد بالعيون “عمق الصحراء” وأهمية المراسيم والقوانين التنظيمية التي تمخضت عنه، يقدم صورة واضحة المعالم عن الممارسة السيادية للمملكة، وعلى رأس هذه القوانين تمرير قانون “مجلس الوصاية” الإطار القانوني الناظم لولاية العهد، وهو قانون على درجة عالية من الأهمية، ويدخل في إطار نظام الحكم لتنزيل بنود دستور 2011، وكأن في الأمر دلالة على تسليم روابط البيعة والولاء التي تربط ساكنة الصحراء بالجالس على عرش المملكة.
كما أن تعيين مجموعة من السفراء بالسلك الدبلوماسي للمملكة من خلال المجلس الوزاري الذي عقد بقلب الصحراء له الكثير من الدلالات، لعل أهمها أن المرافعة والدفاع عن مكان التعيين والتوشيح هو أبرز الغايات والأهداف، وأن قضية الصحراء تبقى أولى الأولويات في عمل الدبلوماسية المغربية، ولعل أيضا تعيين ” ناصر بوريطة” وزيرا منتدبا لدى وزير الخارجية، وهو العالم بأمور ودواليب الخارجية المغربية، والملم بأدق تفاصيل نزاع الصحراء لم يأت من فراغ، وإنما نتيجة لعمله الدؤوب داخل دواليب وزارة الخارجية التي تدرج عبر مناصبها، فاختياره وهو كاتب عام لوزارة الخارجية والتعاون للقاء المبعوث الأممي “كريستوفر روس” في زيارته الأخيرة للعاصمة الرباط هو دليل على مدى تمرسه وخبرته بملف نزاع الصحراء.
صفوة القول أن الصحراء مقبلة على تغييرات عميقة وجوهرية و حبلى بالمفاجآت التي من شأنها تغيير موازين القو ى ورسم ملامح مستقبل جديد سيغير وجه المنطقة إذا ما تم التنزيل السليم للمبادرات والتوجيهات الملكية التي رسم جلالته خارطتها في زيارته الحالية.

