الصحراء 24 : بقلم محمد لفيرس
التدخل الـأمني العنيف ضد الأساتذة المتدربين ، والذي حدث مؤخرا بانزكان، خلف ردود أفعال قوية ومتعاطفة من قبل الشارع المغربي و أماط اللثام عن الوجه الحقيقي لحكومة الملتحين و الذين يضعون على وجوههم مسوح البراءة والسكينة و يدعون “الدروشة” و ضعف الحيلة وقلة ذات اليد .
و الغريب في الأمر أن هذا الحدث تزامن مع الجدل المثار حول دعوة الرأي العام الشعبي إلى الغاء معاشات البرلمانيين و تقاعدهم ، مما زاد من حدة الجدل و عمق الهوة بين فئات المجتمع المغربي المصاب أصلا بإختلال يتضاعف حجمه بين مواطنين يمنعون من أبسط الحقوق و يستيقظون كل يوم على “فاجعة” الزيادات المتكررة في الأسعار بدعوى إصلاح المنظومة الإقتصادية ( المواطن البسيط هو من يدفع دائما فاتورة الإصلاح) ، و يضربون “بالزراويط” و الهراوات إذا إحتجوا أو طالبوا بحقهم في العمل والعيش الكريم ؛ و بين من يجلسون خلف الكراسي الوثيرة يعيشون في دعة و ترف و طمأنينة يعملون بأقل جهد ثم يقطفون الثمار وحدهم من دون حسيب أو رقيب .
تخيلوا معي : لو ألغت الحكومة معاشات البرلمانيين و قام هؤلاء بالإحتجاج خارج قبة البرلمان ضد ما يمكن أن يصفونه بمنعهم من الإستفادة من حقوقهم المشروعة ، ترى كيف ستتعامل السلطات المعنية مع الواقعة، و هل ستواجههم بالطريقة الهمجية ذاتها ؟؟؟؟.
إذن القضية ترتبط بوزن المواطن حين نضعه على كفتي ميزان مختل أصلا …..بمعنى هناك مواطن ” وزنه” من ذهب يساوي عدد لامحدود من “الفرنكات” و لايسأل عن مصدرها و منبعها ؛ و هناك مواطن آخر لايساوي شيئا أو بالكاد يبلغ وزنه “جوج فرانك” حسب تعبير مواطنة ذهبية أرغدت و أزبدت حين تجرأ مواطن “جوج فرانك ” على طلب نقص كميات معتبرة من وزنها الذهبي .
و هذا الإختلال في الميزان الإجتماعي يجتر مجموعة من الأسئلة المرة و الحقائق الحارقة حول مفهوم الدولة والمواطنة في الدول العربية عموما و المملكة المغربية على وجه الخصوص .
نتجه جنوبا لنجد أن كفتا الميزان قد كسرت أضلاعها لصالح فئة لازالت تراكم الثروات عن طريق إقتصاد الريع و لازالت تعيث فسادا من خلال نهب الأموال العامة و سرقة العقار و الإرتماء على الأراضي و لا تجد ضيرا في أن تمهد الطريق للخلف “الصالح” لكي يكمل المهمة من دون مراعاة لحقوق الاخرين و معاناتهم اليومية بسبب ما يمارس عليهم من قمع وتنكيل حرمهم أبسط معايير العيش الكريم .
“الصحراويون” الذين إنتفخت أوداجهم و بطونهم من كثرة البذخ و الترف هم مواطنون من الدرجة الأولى ،( وأعني بهم الاعيان والمنتخبين و من والاهم) ، لا يمكن أن نقيس وزنهم بالذهب ولا بالفضة، تحرسهم الآلهة بعين الرضا و ترعاهم بعين العطف و تغطي أنشطتهم الفاسدة شجرة وارفة الظلال تقيهم شر المحاسبة والمساءلة . أما صحراويون “جوج فرانك” فلاحق لهم فيلذهبوا إلى الجحيم و سواءا عليهم أفرغوا أمعاءهم أو قدموا أرواحهم قرابين للحصول على حقوقهم لن يجدي ذلك كله نفعا …..هم مواطنون من درجة “البدون” أو أقل لاحق لهم في العيش الكريم و لا حق لهم في أن يعلو صوتهم و تمتلئ بطونهم .
و تلك حقا قسمة ضيزى لا تخدم أبدا السلم و الأمن الإجتماعي بالمنطقة لأنه من المفروض أن الجميع متساوون في عرف دولة تعتبر نفسها دولة القانون والحق . و لايعقل أن نعاقب من يريدون أن يملأوا أمعاءهم بما هو أصلا من حقهم فيما نتغاضى عن أولئك “القراصنة” الذين يواصلون سياسة النهب و مراكمة الأموال بطرق غير مشروعة و على مرأى و مسمع من أجهزة الدولة . ورحم الله المتنبي حين قال:
نامت نواطير مصر عن ثعالبها فقد بشمن” و ما تفنى العناقيد ( “بشمن تعني الشبع حد التخمة ).
و من باب أضعف الإيمان فلنخصص يوما للصوم و الدعاء لأبنائنا و إخوتنا الصامدين في معركة الكرامة ضد الظلم والقهر.

