سأحاول في كلمات يسيرة رصد أجواء العمرة على شكل يوميات خفيفة، تتناول ما أراه مفيدا للقارئ بخصوص رحلة العمرة، تذكيرا لنفسي، وإرشادا لمن يطلع على المكتوب، وحفزا لهمم القراء للتفكير في برمجة رحلات عبادة ومن أعظمها التوجه إلى بيت الله العتيق يوميات معتمر 13.
بعد ختم القرآن الكريم ليلة التاسع والعشرين تبدأ صور من الرحيل؛ رحيل موسم الخيرات الذي اختص بالقرآن : قراءة ومدارسة، وسماعا، وبالصلاة في المساجد ومنها النوافل.. ورحيل شطر من عمر الإنسان لا يدري أكان موفقا في استثماره أم لا؟ كما لا يدري أتتاح له الفرصة للمعاودة.. والموفق من أكرمه الله برحيل ذنوبه، فمحاها عنه، وتقبل منه صالح عمله، وجازاه على حسن طاعته تفضلا منه سبحانه وتعالى.. كما أن من صور الرحيل الاستعداد لمغادرة مكة المكرمة عودة للموطن…
بإعلان العيد تختلج النفس مشاعر الرضا والشكر أن وفق الله تعالى بكرمه ومنه للصيام والقيام في أطهر بقعة من أرض الله، البيت العتيق، ومشاعر الفرح المقترنة بفطر الصائم، وترقبه لنيل الجائزة… إننا نطمع في كرم الله تعالى ليجعلنا ممن صام رمضان إيمانا واحتسابا فيغفر لنا وما تقدم من ذنوبنا وما تأخر، كما نرجو عفوه وتوفيقه لنواصل الطاعات…
مشاعر التخوف من إحباط العمل لأمر قد يدركه المتعبد، أو لشيء يشوب الفعل التعبدي، قد تجد لها أيضا مكانا في النفس، فالمؤمن بين رجاء وخوف… ورجاؤنا المطلق في الرحيم الرحمن أن يتقبل منا ومن الطائعين صالح الأعمال، وأن يرحم ضعفنا، ويبدل سيئاتنا حسنات، ويتجاوز عن تقصيرنا، ويعاملنا بلطفه ومغفرته التي تسع خلقه سبحانه وتعالى…
العيد جائزة المتعبد، تفضَّل بها الحق سبحانه وتعالى على عباده، على إثر ركن الصيام العظيم..، تؤدى قبل صلاته صدقة الفطر وهي طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين..، العيد في مكة فرصة للتعرف على بعض أحوال المسلمين في الاحتفال بالعيد، خاصة أشكال أزيائهم المحلية، وطرق تقديم التحية بالعيد، فالناس يأتون إلى الحرم يرافقهم أولادهم ذكورا وإناثا في أحسن أزيائهم…
خرجنا من محل إقامتنا إلى الحرم قبل صلاة الصبح، فلم نتمكن من الوصول إليه… جلسنا حيث انتهى بنا المجلس على مسافة مهمة منه، فالشوارع المحيطة بالحرم غصت كلها بالمصلين، ولم ينقطع توافد الناس إلى أن رُفع أذان الصبح فصلينا، وبعد أن ارتفعت الشمس شرع مؤذنو الحرم في التكبير، يتناوبون عليه، والناس يرددون معهم، إلى أن دخل الإمام، فأقيمت صلاة العيد، ثم خطب الإمام وركز في خطبتيه على معاني ومقاصد التكبير، والأجر والثواب المترتب عليه…
كان لافتا للنظر قصْرُ الخطيب الحديث على مقاصد التكبير ومعانيه، وإغفاله الكلام كما جرت العادة عن موضوعات العقيدة والأخلاق والتوجيه للأمة..
وقد نبه في خطبته الأخيرة إلى اجتماع عيدين في هذا اليوم عيد الفطر والجمعة، وأن من حضر صلاة العيد سقطت عنه صلاة الجمعة، وله أن يصلي صلاة الظهر في بيته، رخصة شرعية، أخذنا بها؛ فصلينا الظهر في إقامتنا، وأديناها في آخر وقتها، بعد أخذِنا قسطا من الراحة كان ضروريا لاستعادة قدر من النشاط والحيوية والاستعداد للمغادرة بعد يومين بحول الله..
يوميات معتمر 14
الاستطاعة المقترنة بمنسكي الحج والعمرة تشمل كفاية المؤونة، ويتعين على الحاج أو المعتمر أن يكون همه الأساس هو النفقة على نفسه، والعناية بكل ما يعينه على أداء مناسكه في أحسن حال.. غير أن بعض المعتمرين مع الأسف يبخل على نفسه، من أجل هاجس الهدايا والأغراض التي سيصطحبها معه إلى موطنه… المعتمرون في هذا الشأن يختلفون من حيث غلبة اهتماماتهم، كما تختلف امكانياتهم المادية، وبخصوص التسوق فمنهم من يشتري أغراضه تدريجيا خلال مدة إقامته بالحرمين، ومنهم من يترك ذلك إلى حين تمام العشر الأخيرة من رمضان وصلاة العيد… الأسواق هنا كثيرة، والسلع تعرف وفرة منقطعة النظير، تختلف مصادرها وتتنوع أسعارها بحسب جودتها.. كل شيء يُغري بالشراء، ومن لم يحدد سلفا الأغراض والأشياء التي يرغب فيها قد يقع في حيرة شديدة… والحقيقة أن كثيرا من السلع المعروضة هنا توجد في بلدان أخرى، وعلى المعتمر أن يتنبه إلى ما لا يوجد في بلده، ويمثل له قيمة مضافة سواء لنفسه أو يصلح أن يكون هدية لغيره.. ومن جملة الأشياء التي تستحق الاقتناء : الماء المبارك ماء زمزم، وقد أنشئ مصنع لتعبئته وتعليبه بأمان لينقل جوا، ويباع في المطارات بما يقارب ثمن التكلفة، ويسمح لكل حاج بخمس لترات منه توزن مجانا مع أمتعته… وهناك التمور وتتوفر بوفرة وبأنواعها المختلفة الطرية بحمد الله، ويحرص الناس على شراء تمر المدينة خاصة منه ” العجوة”… هناك أيضا الأثواب المفصلة على الطريقة السعودية، والعطور والعود والمستخلصات منه، وغير ذلك مما يمكن أن يشترى من الحرمين… وأحسب أن أفضل ما يقتنى مع زمزم والتمور الكتب والرسائل التي تتحدث تاريخ الحرمين، ومنها على سبيل الذكر لا الحصر: -تاريخ المسجد الحرام – تاريخ المسجد النبوي – التاريخ المصور للمدينة المنورة – التاريخ المصور لمكة المكرمة – تاريخ زمزم والمقام والحجر – الدر الثمين في معالم مدينة النبي الأمين…
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا السياق ضرورة احترام الوزن المسموح به من قبل خطوط الطيران، تجنبا للإحراج أثناء عملية تسجيل الأمتعة، ومن كانت أغراضه أكثر من المأذون به، فيمكنه الاستفادة من العرض المقدم من قبل البريد السعودي حيث ينقل الأمتعة إلى بلدان العالم لفائدة الحجاج والمعتمرين بأثمنة مناسبة، يجدها صاحبها لدى وكالة البريد المختصة في بلده..
يوميات معتمر 15
رصَدَت هذه اليوميات سير رحلة عمرة إلى البيت الحرام بمكة المكرمة وزيارة المسجد النبوي بالمدينة المنورة، نسأل الله تعالى القبول، ومغفرة الذنوب، والتجاوز عن التقصير ما علمنا منه وما لم نعلم، وأسأله جلت قدرته أن يُجزِل الأجر لكل من تفاعل معها، ورأى فيها تشويقا لتعظيم شعائر الله، ووجد فيها ترغيبا له على التفكير بالعمرة والحج، كما أعتذر لكل من لم يَرَ فيها ما يروقُه، أو عدها من قبيل لغْوِ الكلام أو مبالغةً في الحديث عن عمل تعبدي كان يحسن سَترُه حذرا من الرياء والعجب نسأل الله السلامة والعافية… لقد دونت ما نشرت بقصد تذكير نفسي أولا، ثم بهدف حفْزِ هِمَم إخواني وأخواتي لجعل أسفارهم ماتعة بما فيها التعبدية، وأن يبحثوا في ثناياها عن أوجه الانتفاع وأخذِ العِبر، وتسجيل الملاحظات عساها تفيد من لم يسبق له السفر، أو لم يكن يهتم بتفاصيل أحوال البلدان التي يفد عليها، خاصة إذا كانت لها قيمة معنوية في نفسه، وبالأخص إذا كانت قبلتَه التي يتوجه إليها مرات في اليوم، أو موطنَ نبيه صلى الله عليه وسلم الذي هو الدليل على ما يرضي الله تعالى… سألني كثير من الإخوة والأخوات الدعاء لهم سواء عبر رسائل خاصة، أو تعاليق مرتبطة بهذه اليوميات؛ ولأُطمئن الجميع فقد كنت أدعو بما يتيسر لي فور توصلي بالرسالة أو التعليق، فضلا أنني بحمد الله تعالى أحرص على الدعاء لمن أعرف عبر نظام الدوائر، وهي خطة فريدة تُعِين على تذكُّر المدعو لهم في الأماكن المقدسة، وصيغتها الدعاء للنفس ثم للوالدين، والأسرة والرحم، والأصدقاء، وزملاء العمل، والجيران، ورواد مسجد، وزملاء الجمعيات التي أنشط فيها، وعموم المسلمين والمسلمات، وهكذا…وهي طريقة تمكن بحمد الله من تغطية أكبر قدر من الناس في أمر الدعاء لهم، نسأل الله تعالى القبول والسداد… بعد تجميع الأغراض والأمتعة غادرنا الفندق في اتجاه مطار جدة، قطعنا المسافة فيما يقارب الساعة والنصف، وصلنا وشرعنا في تغليف الامتعة واشترينا ماء زمزم المعبأ في علب صالحة للشحن الجوي، ثم أودعناها وبحمد الله كانت المجموعة ملتزمة بالوزن المسموح به، ولم نر صعوبات، وانتظرنا ساعة الاقلاع التي تأخرت بما يتجاوز الساعتين دون إخبار من الخطوط السعودية مع الأسف إلا عند انتهاء الموعد.. حالة التعب كانت بادية على الجميع، قطعت بنا الطائرة المسافة بين جدة والدار البيضاء في ظرف ست ساعات إلا ربعا، وصلنا مطار محمد الخامس، وقمنا بإجراءات الدخول التي رافقتها حالة من عدم التنظيم من قبل المسافرين خاصة المعتمرين العائدين، مثلها مثل عملية أخذ الأمتعة حيث الفوضى والعجلة، أسهم فيها كثرة الأمتعة وتوزيعها على شريطي توزيع داخل المطار، مما أربك حركة المسافرين بحثا عن أمتعتهم… في ختام هذه اليوميات لا يسعني إلا ذكرُ نبذة عن التوسعة الضخمة للحرم التي بدأت منذ سنة 1434هـ، وكانت سببا في تقليص حوالي نسبة 20% من الحجاج عبر العالم خلال السنوات الأخيرة…فقد وصلت الآن مراحلها الأخيرة بحمد الله، ويُتوقع أن تتم خلال السنة القابلة بحمد الله، وتُعد الأكبر على الإطلاق في تاريخ المسجد الحرام، رُصدت لها ميزانيات مهمة جدا، حتى تأتِيَّ على أحسن طراز وأجمله، عمرانا ومرافق وخدمات واستيعابا للأعداد المتزايدة من الحجاج والمعتمرين… مع تمام التوسعة بعد عام بحول الله أن يستوعب المطاف مائة وسبعة آلاف طائف في الساعة، ومائتين وثمانيةً وسبعين ألف مصل، وستصل الطاقة الاستيعابية للحرم بعد اكتمال عناصره كافة مليونا وثمانمائة ألف مصل في آن واحد، وتشتمل على أزيد مئة من الأبواب والمداخل، و680 من السلالم الكهربائية و158 مصعدا كهربائيا، و8650 من المواضئ، و12400 دورة مياه، وغير ذلك من البنيات والمنشئات الخادمة للحرم.. مكة التاريخية لم يعد لها أثر إلا في الكتب أو في ذاكرة من بقي من كبار السن، أو بعض الصور والأفلام التسجيلية… المسؤولون عن التوسعة والممولون لها مضطرون لتغيير المعالم، خدمة للحرم الشريف، لكن هذا لا يُعفيهم من مسؤولية التفكير في وضع أطلس تاريخ مكة المكرمة، تُضَمَّن فيه كل المعلومات والصور والمشاهد، ومراحل التطوير والتوسيع، والأئمة الذين كان لهم شرف الإمامة في الحرم، وحتى الأوقاف التي كان يستفيد منها الحرم… أحسب أن هذا الأمر ليس بالعسير، إذا شُكلت له هيئةٌ تُعنى بإنجاز عمل علمي جليل يحفظ الذاكرة، ويخفف من وطأة تأثير البنايات الشاهقة المحيطة بالحرم، والتي قد تصرف اهتمام الزوار أو بعضهم عن الارتباط بالبيت العتيق بسبب ما تتركه من إثارة للاهتمام، حتى إن من أراد النظر بإمعان للبيت فعليه أن يجعلها خلفه، ويتجنب دخولها في مجاله البصري، وعليه فأفضل موقع بالحرم مقابل للكعبة هو الجهة الواقعة بين الصفا ومدخل باب الملك فهد مما يلي صحن المطاف والطابق الأول، مع تجنب الجلوس في السطح إلا اضطرارا… نسأل من الجميع الدعاء الصالح… والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

