رحيل صفية الزياني… سيدة المسرح المغربي تطوي بهدوء مسارا فنيا من زمن التأسيس

الصحراء 24 : الرباب الداه

غادرت الممثلة المغربية صفية الزياني الحياة، بعد مسار فني وإنساني طويل امتد لأزيد من تسعين سنة، تاركة وراءها تجربة استثنائية ارتبطت بمراحل التأسيس الأولى للمسرح والسينما والتلفزيون بالمغرب.

وبرحيلها، يفقد المشهد الثقافي الوطني إحدى قامات جيل الرواد الذين اشتغلوا بصمت، وأسهموا في ترسيخ تقاليد الأداء الفني وبناء الوعي الجمالي في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.

وتُعد الراحلة من بين الأسماء المؤسسة لفن التمثيل بالمغرب، حيث انتمت إلى جيل واجه محدودية الإمكانات وصعوبة السياق الاجتماعي، لكنه كان مشبعا بإيمان عميق برسالة الفن ودوره في تشكيل الوجدان الجماعي.

كما شكل اختيارها المبكر لاحتراف التمثيل، في زمن كان الحضور النسائي فيه نادرا ومحل تحفظ، بعدا رمزيا تجاوز الفن إلى المساهمة في توسيع أفق المشاركة النسائية في الحقل الثقافي.

وانطلقت علاقة صفية الزياني بالمسرح خلال خمسينيات القرن الماضي عبر التظاهرات المسرحية التي نظمتها وزارة الشبيبة والرياضة، قبل أن تلتحق سنة 1960 بالمدرسة الوطنية للمسرح، ضمن أولى دفعاتها.

وقد تلقت هناك تكوينا أكاديميا متكاملا على أيدي رواد المسرح المغربي، من بينهم عبد الله شقرون وعبد الصمد الكنفاوي والطاهر واعزيز، إضافة إلى أساتذة أوروبيين، ما أسهم في صقل أدواتها ومنح تجربتها عمقا معرفيا وجماليا انعكس على أدائها.

وفي سنة 1962، انضمت إلى الفرقة الوطنية التابعة لوزارة الشبيبة والرياضة، لتبدأ مرحلة مهنية حافلة، شاركت خلالها في عدد وافر من المسرحيات العربية والأجنبية، واشتغلت إلى جانب أسماء وازنة من قبيل الطيب الصديقي والطيب لعلج.

وتميز حضورها المسرحي بالاتزان والصدق والقدرة على تشخيص الشخصيات المركبة، بعيدا عن النزعة الاستعراضية أو البحث عن الأضواء.

كما وسعت الراحلة مجال اشتغالها سنة 1967 بالتحاقها بالفرقة الوطنية للإذاعة الوطنية، حيث راكمت حضورا لافتا في الإذاعة والتلفزيون، وأسهمت في ترسيخ تقاليد الأداء التمثيلي داخل الإعلام العمومي خلال سنوات التأسيس، محافظة على خط فني يقوم على الجدية والالتزام المهني.

وعلى مستوى السينما، شاركت صفية الزياني في أعمال بارزة، من بينها أفلام للمخرج الجيلالي فرحاتي، مثل “أبناء الشاطئ الضائعين” و“ذاكرة معتقلة”، كما حضرت في إنتاجات دولية، من ضمنها الفيلم الفرنسي “La Nuit Sacrée” المقتبس عن رواية الطاهر بنجلون، إلى جانب مشاركات سينمائية وتلفزيونية إيطالية وألمانية، جسدت خلالها أدوارا ذات حمولة رمزية وتاريخية، مؤكدة قدرتها على الاشتغال في فضاءات ثقافية متعددة دون التفريط في هويتها الفنية.

وجمعت الراحلة، على امتداد مسارها، بين التكوين الصارم والانفتاح على التجارب العالمية، وبين الالتصاق بالواقع المغربي ومخاطبة جمهور متنوع، لتظل نموذجا لفنانة آمنت بأن الفن مسؤولية ورسالة قبل أن يكون شهرة أو حضورا إعلاميا.

وكان آخر ظهور رسمي لصفية الزياني سنة 2024، خلال الدورة الرابعة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، حيث حظيت بتكريم خاص، في لحظة اعتراف بمسار فني طويل، شكلت بمضامينه وأسلوبه جزءا من الذاكرة الثقافية المغربية.

وبرحيلها، تطوى صفحة من صفحات جيل اشتغل في الظل، لكنه أسس لمرحلة كاملة من تاريخ الإبداع الوطني.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد