بقلم : أحمد بوعلفة
إن المجتمع الإسلامي قائم على العدل والكمال والعبودية لله ، فالمسيرة الإنسانية المتكاملة تنتهج برنامجا تربويا وتتكامل شيئا فشيئا نحو الكمال الإلهي لتحقق الإرادة الربانية الداعية إلى إقامة العدل في الأرض والعبودية الخالصة لله والتسليم لأوامره ونواهيه ، محطمة قيود عبودية ما سواه وصولا إلى الحرية الفطرية المودعة لدى الإنسان ليكون مصدقا لقول علي بن أبي طالب ” لا تكن عبد غيرك وقد خلقك الله جرا ” وبالإرادة الحرة الفارغة من كل قيود النفس الأمارة ، باستطاعة الإنسان ان يصل إلى ملكوت المعبود ، وليتعرف على مكانته وقدره عند الله تعالى من أجل السعي إلى أداء الرسالة الفردية والاجتماعية الملقاة على عاتقه ، كي لا يعجز بعد تقبله للأمانة والرسالة التي عجز عنها الجميع .
إن الحديث هنا عن الإنسان ، المرأة وشأنها وموقعها ودورها بشكل عام وكيف كان ينظر إليها ؟ وما هو المتوقع منها ؟
إن وضع المرأة لدى الحضارات والأقوام وحتى أبناء الديانات المختلفة كان متفاوتا يشير إلى أنها لم تكن ذات مكانة اجتماعية تساعدها على تقديم وترجمة ما لديها من طاقات ومواهب في الواقع المعاش فأوضاعها تتغير بتغير الحضارات والمناطق والحكام ، وبل وحتى بتغير الوضع الاقتصادي السائد والسياسي في تلك الفترة ، فهي عند قوم سلعة تجارية يتصرف بها الزوج كيفما يشاء ومحكومة بالتبعية المطلقة ، تباع وتشترى وتورث لأنها جزء من المال ومن حق الجميع أن يستثمره حين التملك ، وعند قوم آخرين تدعى إلى القيام بالبغاء المقدس إرضاء للرب وتقربا له ، ومنهم من يرى أنها شر لابد منه وجسد بلا روح، ويؤمر بدفنها مع الزوج بعد موته بل أصبح الواجب عند قوم من الأقوام حرق المرأة بعد وفاة زوجها تطهيرا للأرض من دنس وجود جثتها على الأرض ، وكل هذا الأفعال جاءت انتزاعا من فلسفات مفكري تلك الحضارات ، ولذلك لم نشاهد آثار المرأة في الفن والعلوم والثقافة والسياسة ، والأدب إلا في الجوانب السلبية منها ، وقد حصروا دور المرأة بالإنجاب والرضاعة وما شابهها ، وكان وأد البنات واسترقاق النساء من الأمور الشائعة خاصة بعد انتهاء الحروب والغلبة لفريق على الأخر .
فهذه هي أوضاع المرأة على نحو الإجمال لدى البابليين واليونان والرومان والهنود والصينيين والفرس والعرب قبل الإسلام. نعم لا ننسى أن هنالك حالات شاذة في التاريخ منقولة عن بعض الشعوب تحكي عن تكريم المرأة وسلطتها وتدبيرها كما هو الحال لدى بعض الفراعنة المصريين وطبقات اشرافية فارسية وبعض نساء العرب ، لكنها كانت حالات يتيمة ، وقد مر التاريخ عليها مر الكرام لأنها لم يكن لها دور تغييري مؤثر في مجتمعاتها .
أما الغرب المعاصر فقد فرض الشعارات الليبرالية المتعددة منها تحرير المرأة من كل التقاليد الموروثة في الدول الإسلامية ، واستغل المرأة أيضا لوصول قيادات سياسية إلى مراكز القرار ، وتغنى بها الغرب للضغط على عالم مضطهد من
أساسه ، واستمر هذا الاستغلال حينما وسع الغرب دائرة تحرير المرأة إلى العلاقات الجنسية والإباحية اللامحدردة حتى شملت الشذوذ الجنسي وأقر القوانين في بلاده لصالح أهدافه المكنونة وطالب دول العالم بالتبعية احتراما لحرية المرأة وأقام المؤتمرات الدولية تحت مظلة الأمم المتحدة ترويجا لهذا السلوك الرخيص والهدام للأسرة والمجتمع . وقد أصبح لهذه الحركة المتطرفة في عالمنا الإسلامي قيادات تابعة فكريا للعلمانية بكل ما تحمل من سلبيات أمثال كسوري ، أخوندزاده وقاسم أمين وهدى شعراوي ونوال السعداوي وغيرهم ظنا منهم أن الرجعية والتخلف المتفشي في المجتمع الإسلامي هو نتيجة الالتزام بأحكام الإسلام وأعرافه ، غافلين أن العكس هو الصحيح ، فمنذ أن ابتعد أو أبعد المجتمع الإسلامي وقياداته عن القران الكريم وشريعة السماء ، واستبد الحكام برأيهم واضطهدوا أبناء الأمة الإسلامية خلافا لحكم الله ، واتبعوا القوانين الوضعية المستوردة من بلاد الغرب ، جروا العالم الإسلامي إلى ما نحن فيه . وفتحوا الباب على مصراعيه أمام التدخلات الأجنبية في شؤون العالم الإسلامي بحجة مطالبة النخب الفكرية ودعوتهم وطلبهم من الغرب لمساعدتهم في طريق التحرير.
وإنقاذهم من الرجعية السوداء الحاكمة في كافة بلاد الإسلام ، وهو ما قام بتنفيذه الغرب في أوطاننا الإسلامية خلال القرن الماضي واليوم نشاهد أن الوقاحة الغربيةوعلى رأسها السلطة السياسية الأمريكية وصلت الى مرحلة بحيث تطالب بالتغيير في أهم مسائل العالم الإسلامي من سياسته وتعليمه وحقوق المرأة فيه كي تخسر الأمة الإسلامية آخر ثروة تمتلكها في الجانب العقائدي والاجتماعي الأسري وتحضر لسيطرة حكومات أكثر تبعية وانسجام وطاعة لتقبل سلبيات العولمة على حساب شعوبنا الإسلامية .
قال تعالى : إن المسلمين والمسلمات والمومنين والمومنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والذاكرين الله والذاكرات الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة أجرا عظيما ” .
لو لم يكن في القرآن الكريم سوى هذه الآية المباركة لكانت كافية لبيان مقام المرأة ودورها وشأنها عند الله ، فكما ذكر المفسرون للقرآن الكريم أن هذه الآية جائت تأكيدا للمساواة الإسلامية بين المرأة والرجل في دائرة التعليم الإلهي للعمل الملتزم بالخط المستقيم ، وأنهما سواء في حصولهما على ثواب التزامهما ، من الله تماما كمساواتهما في عقاب الله لهما على أعمالهما السيئة ، لأن مسألة العمل في قيمته لا تتصل بالشخص في ذكوريته وأنوثته ، بل بالعناصر الإيمانية والسلبية في مواقعه . في ضوء ذلك . قد تعلو درجة المرأة عند الله عندما ترتفع في أيمانها وعملها عنده ، فكانت هذه الآية وسائر الآيات الأخرى التي نزلت في تحديد موقع المرأة ودورها الإنساني والرسالي جوابا لما تتطلع إليه من أن يكون لها نصيب من الوحي الإلهي تتشرف وتتكرم به ، لاسيما على صعيد مشاركتها الرجال من الحيز الذي يذكر فيه الله العاملين في طاعته في سبيله بخير، وهذا التطلع إنما انطلق من وعيها للدور الذي تقوم به في الساحة الإسلامية حيث شاركت في الدعوة ، وفي الهجرة إلى الحبشة ، وفي تحمل قسوة الاضطهاد من المشركين ، وفي سقوطها شهيدة تحت سياط الكفر وتعذيبه ، جنبا الى جنب الرجل ، وفي الهجرة إلى المدينة ، وفي مفارقة الأهل والأزواج فرارا بدينها ، وفي خروجها إلى الجهاد لتكون في الجبهة المساندة للمعركة فتسقي العطشى ، وتضمد الجرحى وتقوم بشؤون المقاتلين ، وتتحرك في حياتها الخاصة والعائلية والعامة في خط الالتزام الذي تقف فيه عند طاعة الله والإخلاص له في المواقع المتنوعة والمواقف المختلفة .
ومع كل ما ذكر عن دورها الاجتماعي فهي لا تنسى دورها الرسالي في بناء الأسرة التي يتوقف عليها المجتمع وأن ديمومة الحياة البشرية وعمران الأرض يتوقف على إقامة الأسرة وفقا لمبادئ الفطرة الإنسانية باعتبار الإنسان الموجود الاجتماعي الذي لا يعيش لحاله كفرد منعزل أو مجرد أفراد بعيدين عن العلائق والوشائج والصلات التي تجعل منهم نسيجا واحدا وهو المجتمع، حكمه الخلق تقتضي بناء الأسرة من الرجل والمرأة ، وكل منهما يشكل ركنا أساسيا في الخلية الأسرية ، ولا يمكن الاستغناء عن أحدهما ، ولا يكتمل المجتمع أو يتكامل إلا يهما معا.
وأنهما المصدر والوحيد لتكاثر البشري باقترانهما الشرعي يقوم المجتمع البشري ولذلك كان الزنا محرما في جميع الشرائع السماوية.
فالنصوص الآمرة بتكوين الأسرة وقيامها كثيرة مذكورة في مصادرها ، للزواج في الإسلام ميثاق غليظ ومسؤولية على عاتق كل من المرأة والرجل يجب عليهما حفظه والدفاع عنه رغم كل الظروف الصعبة التي يمكن أن تعترضهما ، فاعتبر كلا منهما لباس الآخر يحفظه ويستره ويحميه ، وكان البعض سكنا للآخر وارتباط القلب بالقلب هو فوق كل ارتباط واقتران وعقد وشراكة عادية ، فالزواج كما يقول المرحوم الشيخ محمود شلتوت : كلمة توحي بالاختلاط القوي والامتزاج الشديد . فالوجود الأسري عامل تكوين وإنتاج المشاعر والعواطف والقيم لدى كل من المرأة والرجل على حد السواء ولم يقتصر فيه على مجرد استمتاع وإشباع كل من الرجل والمرأة لحاجاته الجنسية المشروعة كما هو قول الدكتور أحمد شوقي دنيا .
فتدمير الأسرة بالذات من الأهداف الإستراتيجية التي يسعى إليها الغرب السياسي لتحقيقه برفع شعارات الدفاع عن حقوق المرأة والمطالبة بمساواتها للرجل ، وحريتها وتحريرها من ((سجن)) البيت والحجاب وسلطة الرجل ، وكانت لهذه الدعوات أذان صافية في عالمنا الإسلامي .
