الصحراء 24 : العيـــــون
تتجه الأنظار إلى الوزير الجديد للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، نبيل بنعبد الله، لقياس مدى قدرته على تحويل الالتزامات الانتخابية لحزب التقدم والاشتراكية إلى إصلاحات ملموسة داخل المدرسة العمومية، في ظل استمرار التحديات المرتبطة بجودة التعلمات، والهدر المدرسي، والتفاوتات المجالية والاجتماعية.
وبعد انتقاله من موقع المعارضة وانتقاد السياسات التعليمية إلى تحمل مسؤولية تدبير القطاع، يجد بنعبد الله نفسه أمام اختبار عملي لوعود انتخابية جعلت إصلاح التعليم في صلب رهانات العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، وسط تطلعات الأسر والتلاميذ والأطر التربوية إلى إجراءات تعيد الثقة في المدرسة العمومية.
وكان حزب التقدم والاشتراكية قد وضع، ضمن برنامجه الانتخابي، تحسين جودة التعليم ومحاربة الاختلالات البنيوية للمنظومة التربوية في مقدمة أولوياته، مع التركيز على ضعف اكتساب المهارات الأساسية، واستمرار الانقطاع عن الدراسة، خصوصا في المناطق القروية والأوساط الاجتماعية الهشة.
وخلال الحملة الانتخابية، وجه بنعبد الله انتقادات حادة إلى تدبير الحكومة السابقة لقطاع التعليم، معتبرا أن الإصلاحات التي أُطلقت لم تحقق الاستمرارية المطلوبة، ومتهما السياسات المعتمدة بتغليب المصالح المالية لبعض الأوساط على متطلبات تطوير المدرسة العمومية. كما وصف مسار الإصلاح خلال فترة تولي شكيب بنموسى مسؤولية القطاع بأنه شهد تعثرا وتراجعا في وتيرة التنفيذ.
وتضع هذه المواقف الوزير الجديد أمام مسؤولية تقديم بدائل عملية للتوجهات التي انتقدها، من خلال تحديد أولويات واضحة، وإرساء آليات للتنفيذ والتقييم، وضمان استمرارية الإصلاحات وفق مقاربة تستجيب لحاجيات المؤسسات التعليمية والتلاميذ.
«مدارس الريادة» بين تعميم الجودة ومخاطر التفاوت
ويبرز مشروع «مدارس الريادة» ضمن الملفات التي ينتظر أن تحظى باهتمام خاص خلال المرحلة المقبلة، بعدما أقر بنعبد الله، خلال حملته الانتخابية، بوجود عناصر إيجابية في هذا الورش، مقابل تحذيره من احتمال تكريس تفاوتات داخل المدرسة العمومية نفسها، إذا استمر التمييز بين المؤسسات المستفيدة من البرنامج وغيرها.
ويعيد هذا الموقف طرح سؤال تعميم جودة التعليم، ومدى قدرة الوزارة على نقل الممارسات التربوية الناجعة إلى مختلف المؤسسات، بدل حصرها في مدارس محددة. كما يبرز أهمية إخضاع البرنامج لتقييم موضوعي يقيس أثره الفعلي على مستوى التعلمات ومكتسبات التلاميذ، ويحدد مكامن القوة والاختلالات التي تستدعي المعالجة.
وفي موازاة ذلك، يشكل التعليم الأولي أحد المداخل الأساسية التي ركز عليها البرنامج الانتخابي للحزب، من خلال الدعوة إلى توسيع الولوج إليه وتحسين جودته، مع الاهتمام بالأوضاع المهنية والاجتماعية للعاملين فيه. كما تضمنت الالتزامات المقترحة تقديم دعم للأسر المعوزة بقيمة ألف درهم عن كل طفل، في إطار توجه يروم الحد من أثر الهشاشة الاجتماعية على المسار الدراسي للأطفال.
وتبقى ترجمة هذه التعهدات رهينة بتحديد الفئات المستهدفة، وضبط شروط الاستفادة، وتوفير الموارد المالية اللازمة، إلى جانب تحسين ظروف اشتغال مربيات ومربي التعليم الأولي، بما يضمن استدامة الخدمات المقدمة وجودتها.
الهدر المدرسي والفوارق المجالية على طاولة الأولويات
ولا تقتصر التحديات المطروحة على تطوير المناهج ورفع مستوى التحصيل الدراسي، بل تمتد إلى معالجة الأسباب الاجتماعية والمجالية التي تدفع عددا من التلاميذ إلى مغادرة المدرسة قبل استكمال مسارهم التعليمي.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تعزيز البنيات التحتية المدرسية، وتأهيل الداخليات والمطاعم المدرسية، وتوسيع خدمات النقل المدرسي الآمن، خصوصا لفائدة التلاميذ بالمناطق القروية والنائية. وهي إجراءات من شأنها الحد من صعوبات الولوج إلى المؤسسات التعليمية، شريطة أن تقترن باستهداف دقيق للمناطق والفئات الأكثر حاجة.
كما يمثل رد الاعتبار لنساء ورجال التعليم أحد الملفات التي ستختبر من خلالها قدرة الوزارة على بناء مناخ مهني مساعد على الإصلاح، من خلال تحسين ظروف العمل، والارتقاء بالوضعين المادي والمهني للأطر التربوية، وتعزيز التكوين والمواكبة، بما يرسخ مكانة المدرس باعتباره عنصرا محوريا في تحسين جودة التعلمات.
117 مليار درهم.. الرهان المالي لتنزيل الالتزامات
وعلى المستوى المالي، يتضمن البرنامج الانتخابي لحزب التقدم والاشتراكية مقترح تعبئة موارد إضافية بقيمة 117 مليار درهم على مدى خمس سنوات، إلى جانب رفع حصة الإنفاق العمومي على التعليم والتكوين والتعليم العالي من 6,4 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2026 إلى 7,7 في المائة بحلول سنة 2031.
وتطرح هذه الأرقام تحديا يرتبط بمدى إمكانية تحويل الطموح المالي إلى اعتمادات فعلية وبرامج محددة، مع ضمان توجيه الموارد نحو الأولويات ذات الأثر المباشر على التلاميذ والمؤسسات والأطر التعليمية. كما يستدعي تنفيذ هذه الالتزامات تحديد مصادر التمويل، وجدولة النفقات، ووضع مؤشرات تسمح بقياس مردودية الإنفاق العمومي على القطاع.
ومن المنتظر أن يشكل البرنامج الحكومي ومشروع قانون المالية لسنة 2027 من أبرز المحطات التي ستتيح الوقوف على مدى انعكاس الوعود الانتخابية على الخيارات الرسمية، من خلال طبيعة التدابير المقترحة وحجم الاعتمادات المرصودة للتعليم.
وبين سقف الانتظارات وصعوبة الإصلاح، سيكون التحدي الأساسي أمام بنعبد الله هو الانتقال من تشخيص أعطاب المدرسة العمومية إلى وضع حلول قابلة للتنفيذ والقياس، تستند إلى أولويات محددة وجدول زمني واضح، وتخضع لتقييم منتظم.
فنجاح المرحلة لن يقاس بحجم التصريحات أو عدد البرامج المعلنة، بقدر ما سيرتبط بمدى تحسن مستوى التعلمات، وتراجع الهدر المدرسي، وتقليص الفوارق بين المؤسسات والمناطق، وتحسن ظروف اشتغال الأطر التربوية، بما يعيد للمدرسة العمومية دورها في ضمان تعليم منصف وجيد لجميع التلاميذ.
