الصحراء 24 : العيـــــون
تصدرت مضامين الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس، الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة، اهتمامات عدد من وسائل الإعلام الإسبانية، التي ركزت على مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية، وتحديات التعاون في مجال الهجرة، ولا سيما تأكيد العاهل المغربي رفض إخضاع الشراكة بين البلدين لأي ضغوط سياسية أو تهديدات أو محاولات للابتزاز.
ورغم تعدد القضايا التي تناولها الخطاب، من التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى إصلاح الإدارة وتعزيز الاستثمار وتمكين الشباب، فقد استأثر الشق المتعلق بالعلاقات مع مدريد باهتمام لافت في الصحافة الإسبانية، بالنظر إلى حساسية ملف الهجرة وتداعيات الأزمة التي شهدتها مدينة سبتة خلال الصيف الماضي، فضلا عن اقتراب الزيارة المرتقبة للعاهل الإسباني فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر الجاري.
واختارت صحيفة «إلباييس» (El País) التركيز على الرسالة الملكية الرافضة لأي ضغط أو تهديد أو ابتزاز في العلاقات مع إسبانيا، معتبرة أن الخطاب يشكل أول موقف علني للملك محمد السادس بشأن ملف الهجرة منذ أزمة سبتة الأخيرة.
وفي تقرير لمراسلها بالرباط خوان كارلوس سانز، ربطت الصحيفة التصريحات الملكية بالجدل الذي رافق مواقف بعض السياسيين والمنابر الإعلامية الإسبانية من قضايا الهجرة، مشيرة إلى أن الملك انتقد هذه المواقف دون تسمية الأطراف المعنية بشكل مباشر.
كما سلطت «إلباييس» الضوء على الإشكالات القانونية والقضائية المرتبطة بإعادة القاصرين والمهاجرين، معتبرة أن الدعوة إلى مراجعة آليات التعاون في هذا المجال تمثل إحدى أبرز الرسائل الموجهة إلى الجانب الإسباني. ولم تغفل الصحيفة الأبعاد الداخلية للخطاب، خاصة الدعوة إلى تسريع التنمية الجهوية، وتحفيز الاستثمار، وتوسيع فرص الشغل، وإيلاء الشباب مكانة متقدمة ضمن السياسات العمومية.
من جانبها، ركزت صحيفة «لافانغوارديا» (La Vanguardia) على انتقاد الملك لما وصفه بمواقف وتصريحات غير مسؤولة صادرة عن بعض الأوساط السياسية الإسبانية، مبرزة إعلان المغرب التوجه نحو بلورة استراتيجية جديدة للتعاون في مجال الهجرة.
واعتبرت الصحيفة أن الإشادة بالتقدم الذي تحقق في العلاقات الثنائية لا تحول دون الحاجة إلى مراجعة النموذج المعتمد في تدبير الهجرة، في ظل استمرار الأزمات الحدودية وما تطرحه عمليات إعادة المهاجرين من إشكالات قانونية وقضائية.
وربطت الصحيفة الكتالونية أهمية الخطاب بالتوقيت الذي صدر فيه، قبل أيام قليلة من الزيارة الملكية الإسبانية المرتقبة إلى سبتة ومليلية، في ظرفية يتجدد فيها النقاش حول مستقبل العلاقات بين الرباط ومدريد وحدود التعاون بينهما في الملفات الحساسة.
بدوره، أبرز التلفزيون الإسباني الرسمي «آر تي في إي» (RTVE) رفض الملك محمد السادس توظيف أزمة سبتة في التجاذبات السياسية الداخلية بإسبانيا، مشيرا إلى أن العاهل المغربي شدد على عدم قبول المغرب بأي محاولة لفرض مواقف عليه من خلال الضغط أو الابتزاز.
وأوضح التقرير أن الخطاب تناول، للمرة الأولى منذ أزمة الصيف الماضي، الصعوبات التي تواجه التعاون في مجال الهجرة، دون الإشارة بالاسم إلى سبتة، مع توجيه انتقادات إلى بعض المواقف السياسية والإعلامية الإسبانية.
كما توقف التلفزيون الرسمي عند إعلان المغرب عزمه تقديم تصور استراتيجي عملي لتطوير التعاون مع شركائه، يرتكز على التنمية المشتركة، وتعزيز التنافسية الاقتصادية، وترسيخ الاستقرار الإقليمي، بما يعكس توجها نحو إعادة تقييم آليات الشراكة القائمة.
وفي السياق ذاته، وضعت وكالة الأنباء الإسبانية «إيفي» (EFE) رفض الضغوط السياسية في صلب قراءتها للخطاب الملكي، مع إبراز دعوة المغرب إلى تجديد مقاربته للتعاون في مجال الهجرة، بما يستجيب للتحديات الراهنة ويعزز المصالح المشتركة بين البلدين.
أما وكالة «أوروبا بريس» (Europa Press)، فركزت على ما اعتبرته انتقادا لتوظيف أحداث سبتة في النقاش السياسي الإسباني، مبرزة تأكيد الملك أن العلاقات مع إسبانيا تقوم على اختيار سيادي وإرادة مشتركة، ولا ينبغي أن تخضع للتهديدات أو الابتزاز.
كما أشارت الوكالة إلى تزامن الخطاب مع مستجدات المشهد السياسي الإسباني، والزيارة المرتقبة للعاهل الإسباني إلى سبتة ومليلية، معتبرة أن ملف الهجرة يظل من أبرز القضايا المطروحة على أجندة العلاقات الثنائية، خصوصا فيما يتعلق بإعادة القاصرين وتدبير الحدود.
ومن زاوية أكثر ارتباطا بالجوانب العملية، اعتبرت إذاعة «كادينا سير» (Cadena SER) أن الإقرار الملكي بتجاوز النموذج الحالي للتعاون في مجال الهجرة يشكل مؤشرا على الحاجة إلى إعادة النظر في آليات التنسيق بين البلدين، رغم ما تحقق من تقدم في عدد من مجالات الشراكة.
وسلطت الإذاعة الضوء على التحديات القانونية والقضائية التي تعترض بعض عمليات إعادة المهاجرين، معتبرة أن تجاوز هذه الإشكالات يظل عنصرا أساسيا في أي تصور جديد للتعاون المغربي الإسباني.
وعلى المستوى المحلي، اهتمت صحيفة «إل فارو دي سبتة» (El Faro de Ceuta) بالتحذير الملكي من إخضاع العلاقات الثنائية للضغط أو التهديد أو الابتزاز، مع التركيز على الصعوبات المرتبطة بإعادة القاصرين، والحاجة إلى اعتماد مقاربة جديدة لمواجهة التحديات المتكررة على الحدود.
في المقابل، اتسمت معالجة صحيفة «ليبرتاد ديخيتال» (Libertad Digital) بنبرة أكثر حدة، إذ قدمت الخطاب باعتباره تشددا في الموقف المغربي تجاه إسبانيا، واستخدمت توصيفات مثيرة للجدل عند تناول أحداث الهجرة التي شهدتها سبتة. وتعكس هذه المقاربة اختلافا في التأويل الإعلامي لمضامين الخطاب، مقارنة بمنابر ركزت على أبعاد مراجعة التعاون الثنائي وتطويره.
وتبرز هذه التغطيات، على اختلاف توجهاتها التحريرية، مجموعة من القضايا المشتركة التي حضرت بقوة في قراءة الإعلام الإسباني للخطاب الملكي، وفي مقدمتها رفض توظيف ملف الهجرة في الصراعات السياسية، والتحذير من الضغوط في العلاقات الثنائية، والدعوة إلى تجاوز الاختلالات التي باتت تحد من فعالية التعاون القائم.
غير أن التباين ظهر في طريقة تفسير الرسائل الملكية؛ فبينما رأت بعض المنابر فيها دعوة إلى إعادة بناء الشراكة على أسس أكثر وضوحا وتوازنا، قرأت أخرى في مضامينها تحذيرا سياسيا موجها إلى مدريد، خصوصا في ظل استمرار الخلافات المرتبطة بتدبير الهجرة والقضايا الحدودية.
ويكتسب هذا الاهتمام الإعلامي أهمية إضافية مع اقتراب زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية، في ظل النقاش الذي تثيره هذه الخطوة بشأن انعكاساتها المحتملة على العلاقات بين البلدين.
ومع ذلك، لم يتطرق الملك محمد السادس في خطابه إلى الزيارة المرتقبة، كما لم يذكر المدينتين بالاسم، بل ركز على المبادئ التي ينبغي أن تحكم التعاون المغربي الإسباني، وفي مقدمتها الاحترام المتبادل، والالتزام المشترك، والبحث عن حلول عملية للتحديات المطروحة، بعيدا عن منطق الضغط والتهديد.
وبذلك، تجاوزت الرسائل التي استوقفت الصحافة الإسبانية مجرد الرد على سجالات ظرفية، لتفتح النقاش حول مستقبل نموذج التعاون بين الرباط ومدريد، ومدى قدرته على التكيف مع التحولات السياسية والقانونية، بما يضمن استمرارية الشراكة ويحفظ المصالح المشتركة للبلدين.
