المغرب.. البحث عن بطل قومي

 

 

 

 

 

بقلم : علي انوزلا

 



طيلة الأسبوعين الماضيين والأيام الأخيرة هيمن خبران على باقي الأخبار في المغرب. خبر طريف بطله مواطن مغربي مغمور أصبح مشهورا عندما أقدم على المغامرة بحياته متحديا البرد والمطر، وقام بفتح بالوعات المجاري المختنقة بمياه الأمطار العاصفة التي هطلت على العاصمة الرباط وأغرقت أزقة أحياء بكاملها. أما الخبر الثاني الحزين فيرتبط بحادثة مأساوية أودت بحياة سياسي مغربي معروف، مات غرقا داخل سيارته رباعية الدفع بعد أن جرفتها مياه أحد الأودية بالقرب من العاصمة الرباط.

صاحب الخبر الطريف تحول إلى بطل قومي على شبكات التواصل الاجتماعية، وفاق عدد مشاهدي الفيديوهات التي التقطت له أكثر من  نصف مليون مشاهد في ظرف ثلاثة أيام فقط، وأفردت له المواقع الإلكترونية حوارات وربورتاجات، تحكي عن بطولة الرجل الذي لم يتردد في الغوص في حفرة تصريف مياه المجاري كي تبتلع المياه التي فاضت بها الأزقة. وهناك من ارتجل فيديو كليب يتغنى ببطولة الرجل المنقذ، بل وثمة من ذهب إلى المطالبة بأن يكون رئيسا للحكومة. وظهر البطل الشعبي في ربورتاجات يحكي عن واقعه البئيس، فهو يقطن في قبو حمام تقليدي قرب فرن تسخين مياه الحمام، مع القوارض والصراصير، وقال إنه لا يملك سوى سروالين وجوربا واحدا مثقوبا، ودخله لا يتجاوز عشرة يورو يوميا، ومع ذلك فهو يقول بأنه لن يتردد في التضحية بنفسه من أجل بلده.

أما بطل الخبر الثاني فهو سياسي معروف، عبر إلى السياسة من الصحافة، وخاصة من قناة التلفزيون الرسمي، مما جعله وجها مألوفا لعدة سنوات بالنسبة لمشاهدي الشاشة الصغيرة. أما مشواره السياسي فبدأ مع حزب يساري احترف المعارضة في عهد الملك الراحل، قبل أن يتحول إلى حزب عادي ضمن خارطة الأحزاب المهادنة للسلطة في المغرب. ورغم أن هذا السياسي كان ينتمي لحزب يصنف اليوم نفسه ضمن “معارضة صاحب الجلالة”، كما صرح بذلك أمينه العام، إلا أنه اشتهر مؤخرا بمعارضته لأمينه العام أكثر من معارضته للحكومة، أما السلطة التي يحتكرها القصر في المغرب فلا يجرأ أي حزب من بين الأحزاب الممثلة داخل البرلمان على معارضتها.

لكن ما حول هذا السياسي إلى بطل قومي هو الحادث المأساوي الذي أودى بحياته، عندما جرفت مياه وادي سيارته فمات مختنقا داخلها. وتحولت جنازته إلى موكب رسمي كبير حضره كبار مسؤولي الدولة من مستشاري الملك ورئيس الحكومة والوزراء والبرلمانيين والسياسيين والإعلاميين وبسطاء أبناء قريته الصغيرة التي ظل يرأس مجلسها البلدي لأكثر من عقدين. وعلى الطريقة العربية تهافت النعاة على ذكر مناقب الفقيد الذي تحول إلى شهيد وبطل، ودبجت المراثي الجنائزية حول أخلاقه ونبله ونزاهته وشجاعته.. وقد جاء مثل هذا الرثاء حتى من خصوم الفقيد ممن كانوا يحاربونه حتى ساعة قبل وفاته المأساوية!

الحالة النفسية الجماعية التي تم التعبير عنها بمناسبة هذين الحدثين، تكشف إلى أي حد أن البلد في حاجة إلى بطل قومي، حتى لو كان مواطنا مغمورا أو سياسيا عاديا، ترى فيه المنقذ والمخلص من حالة التردي والتراجع الذي يعرفه اليوم المغرب على أكثر من مستوى.

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافق المزيد